السبت، 13 مارس، 2010

حوار فلسفي مع (الحكيم شيخنا) عن الفلس.. مرحباً بك في رابطة المُفلسين بقناعة..!!

(1)

سألني شيخُنا على غير العادة.. إذ أنا دائماً الذي يحاصره بالأسئلة الطوال الجِسام:

- قل لي يا بُني.. ما هي أكبر المصائب التي تصيب الشباب من أمثالكم هذه الأيام.؟!

بدون أي تفكير في عواقب الأمور قلتُ له:

- الفلسُ يا شيخ.. فليس هنالك مصيبة أكبر من أن يكون الفتى جيبه خالٍ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صلدا.. فالشاب يحب كلّ ما يبعده عن الفلس وما يقرّب إليه من قول وعمل.!

شيخنا يقول:

- لكن يا بُني ألا ترى معي أن هنالك مشاكل ومصائب أكبر تحيط بكم .. وهي أهمّ من الفلس بكثير.؟!

- يا شيخُنا .. كل المصائب مبدؤها من الفلسِ.. فهو الداهية التي تدخل على الفتى فتصفرّ منه الأناملُ.. فالشاب إذا امتلك المال حقق أحلامه، تزوج وأحصن نفسه، وأنشغل بمسئوليته عمّا سواها.. وسارع في الخيرات.. وابتعد عن مجالس السوء.. فـ الفلس والفراغ هما أكبر مصائب الشباب.. فإذا ابتعد عنهما الفتى فإنه يبتغي مرضاة الله.. ويحمد المولى على ما آته من نِعم ووفير خير.!

شيخنا:- لكن يا بني هنالك من الشباب من هم عكس ما قُلت، ما إن يجري في يدهم المال؛ حتى يفسدون في الأرض، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويرتكبون الفواحش آناء الليل وأطراف النهار.. ويهلكون الحرث والنسل.. لا يحمدون الله على نعمه، وتجدنهم أحرص الناس على الدنيا..وأبعدهم عن الآخرة.. ومُحصّلة ذلك كلّه: أن المال ما زادهم من الله إلا بُعداً.!

قلتُ له:

- إنهم قلّة يا شيخنا .. بل إنهم الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.. ولكن ما جعلهم يعطون هذا الانطباع السيئ عن الشباب الغني.. بل وعن الشباب عامة، هو أنهم القلة الأكثر وضوحاً من الأغلبية.. ولكنني متأكد من أن الشاب الصالح إذا امتلك المال صلح حاله أكثر.. واستقام على الصراط المستقيم.. أما الشباب الطالح فإنه سواء أفلس أم أغنى، أينما اتجه.. فإنه يضل سواء السبيل لا محالة.!

(2)

أطرق شيخنا لحظات ثم قال لي:

- يا بُني إذا وجدت الطريق مفتوحاً لكي تثرى وتكون من أكبر أغنياء البلاد.. فهل ستسلكه.؟!

قلت له يا شيخنا بدون تردد:

- نعم شيخنا .. لكن كيف السبيل لكي يصير المرء ثرياً ثراءً فاحشاً بدون أن يتتبع خطوات الشيطان.. ويجلب عليه غضب الله والعباد؟.. وإنني إذا امتلكت ذلك المال فسأنفق جزء كبير منه على الخيرات ومساعدة الفقراء.. ولا أريد منه سوى أن أركب سيارة رجال الأعمال الطويلة.. تلك السيارة التي عرضها شهر وطولها شهران، ولا أراها إلا في الأفلام التي تصمد في شبّاك التذاكر طويلاً، إنها سيارة –يا شيخنا- من طولها لو ركبت فيها من أم درمان.. تستطيع أن تنزل منها في السوق العربي دون أن تتحرك السيارة من مكانها مترا واحدا..!

حملق فيّ شيخنا بتعجب وتمتم بكلمات من نوع:

- سبحان الله منظم الأكوان.!!

وأظنه أضاف عليها:

- ها أنذا أرى عليك لمحة من الجهل.!

ثم استدرك فقال:

- أتقصد تلك السيارة البيضاء الطويلة الهيكل.. ذات الزجاج الداكن التي لا يَرى خارجها ما يدور داخلها.!؟

- أصبت يا شيخنا.. إنها فسيحة من الداخل.. فيها صالة واسعة تفتح عليها غرفتين، وأمام الصالة حديقة بها أشجار كثيفة، وعندما يكون الطقس بالخارج حار جاف صيفاً، تجده بالداخل شتاءً.. باردٌ وربما ممطر.. أما زجاجها فأريده داكنا من غير سوء.!

هزّ شيخنا رأسه في حيرة ثم قال:

- أخشى عليك يا بُني أن تركبها وأنت ظالمٌ لنفسك.. فيرسل الله عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيدا زلقا.. أو يصيبها إعصارٌ فيه نارٌ وشواظٌ ونحاسٌ.. فيصير المال عليك نقمة لا نعمة.؟!

صحتُ باحتجاج:

- ألا يمكن يا شيخنا أن يكون المرء ثرياً وتقياً في نفس الوقت..؟! وأن يؤتي المال على حُبّه ذوي القُربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب؟!.. لماذا يا شيخُنا يربط الناس دائماً بين الثراء وبين عذاب الجحيم؟! لماذا يضعون الذي لم يؤت سعة من المال في مقام التقيّ الأمين مُطلقاً؟! فـ صورة الفقير عند الكل هو الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويسارع في الخيرات، أما الغني.. دوماً يرونه الناس ظلوماً جهولاً.. ويتمنون أن يؤته الله ضعفين من العذاب، ويُرمَى عليه بحجارة من سجيل.. فتجعله كعصف مأكول.!! فهنالك –يا شيخنا- من الفقراء من هُم أشدّ طرّا وارتكاباً للمعاصي، ومن الأغنياء من يقفون مع المحتاج في السراء والضراء وحين البأس.!!

رمقني شيخنا باندهاش ثم قال:

- أراك قد أصابتك موجة من الفلسفة يا بُني.؟!

حمحمتُ في اعتذار:

- معذرة يا شيخنا .. فهذا حال من يجالس الحكماء.. ولكن قُل لي لماذا دائماً يربط الناس بين صاحب المال وسوء المنقلب.؟!

ردّ شيخنا:

- كما قلتَ يا بُني إنها نظرية الأقلية الأكثر وضوحاً.. هُم من أعطى الناس هذا الانطباع السيئ عن الأغنياء.. ولكن في النهاية.. لو أدى كل غني ما عليه من فروض، وأنفق المال على حبّه، فلن تجد على الأرض فقيراً.. ولكن هذا من نوع الخطأ الذي لا يستطيع إصلاحه إلا الكل في آن واحد.. وبما أن هذا مستحيل في هذا الزمان الذي صارت فيه القلوب منطفئة من الداخل.. لذا سيستمر الحال على ما هو عليه حتى إشعار آخر.!

قلتُ لشيخنا:

- ملخص القول يا شيخ.؟!

قال شيخنا:

- يا بُني .. أنك لا تدري إن أصبحت غنياً سيفسدك المال أم سيصلحك؟.. فـ البعض لا تصلح أموره إلا مع الفلس.. فـ إن أصبح غنياً فسد، ولو أراد الله به خيراً لأغناه، فـ الفلس له فوائد يا بني لن تدركها إلا بعد أن تصل لمثل سنّي هذه، فالمال الكثير مسئولية يا بني.. وتتبعه مصائب كبيرة عليك، كونك في زمرة المفلسين فهذا لا يقلل من شأنك شيئاً، إذا كنت مُفلساً بقناعة فـ أنت أغنى الأغنياء، وإذا رمتَ أن تحيا سليماً من الأذى.. وحظّك موفور وعرضك صيّن، فقط أنظر لمن هو أفلس منك.. ولا تنظر لمن هو أغنى منك، ومهما كنتَ مُفلساً ستجد من هو أفلس منك بمراحل بعيدة، القناعة كنز لا ينفد يا بني.. كُن قنوعاً بما أنت فيه، وستنام هادئ البال مرتاح الضمير.!

(3)

خرجتُ من مجلس الحكيم شيخنا وأنا أسترجع كلماته واحدة.. واحدة.. وأكثر عبارة التصقت بذهني هي:

- إذا كنت مُفلسا بقناعة فأنت أغنى الأغنياء.!

في الماضي كنتُ مُفلساً فقط.. ولكن بعد جلستي مع شيخنا حدثت بعض التطورات.. ومن هذه اللحظة.. أنني سأنتقل من خانة (مفلس فقط) .. إلى (مُفلس بقناعة).. وهذه خطوة لا بأس بها.. لا أدري ماذا كان يقصد شيخنا بمصطلح (الفلس بقناعة)، هل يعني به أن تقتنع أنك مفلس؟.. أم تفلس وتقتنع بأنك غني؟.. فالفلاسفة لا يعطونك الكلام مطبوخاً جاهزاً.. ولكن أياً كان مقصده.. سأجرّبه.. وبعدها سأفكّر جادا في تكوين رابطة جديدة وسأسميها:

- (رابطة المُفلّسين بقناعة).!!

الاثنين، 8 مارس، 2010

زادك في انتظار الموظف المشغول..!!

(1)

بدون أي مقدمات.. إذ أن القارئ صار لا يكنُّ لها الكثير من الوُد، أقول: أنني متأكد تماماً من أنه لا تُوجد بلاد جميع موظفيها من أولياء الله الصالحين، لذا دائماً ما أسأل نفسي ذلك السؤال:

- لماذا يضطّرك الموظف إلى الانتظار، في حين أنه يستطيع أن ينهي لك ما تريد في أقل من دقيقة.؟!

فـ (التوقيع) على ورقة مثلاً لا يتطلب الكثير من الزمن، فالموظف يحتاج إلى عشرة ثوان بالضبط حتى يوقّع لك ورقة، قد تكون مرّت عليه أكثر من عشر مرات، ولكنه –أحياناً- يصعّب عليك الأمور، يرجعك، ويؤجلك، ويجعلك تنتظر، حتى تظن أنه يريد أن يوقع لك اتفاقية لشراء (رأس نووي).!

(2)

إنني في بعض المرات أقف بين يدي موظف ما، وأسأله بكامل التهذيب والاحترام.. وأكاد أن أقول له كما قال الفنان شرحبيل أحمد:

- يا أبو شعُور رقيقة .. تسمح بي دقيقة.؟!

ولكنه مشغول جداً، والحقيقة أنه كان مشغولاً أكثر من (سيرارنست) عندما كان يضع اللمسات الأخيرة لاختراعه الذي سُمي فيما بـ (الدبابة)، ومن منظره –الموظف لا الخواجة- يبدو أن مزاجه مُتعكرا، ولو سقطت منه نقطة واحدة في (المحيط الهادي) لأفسدت على ناس معايشهم، وأنا واقفاً عنده، ينظر لي بطرف عينه، يخرج عدة أوراق من الدرج.. يراجعها بسرعة.. ويوقع على إحداهن.. ينشغل بمكالمة تلفونية لم يتذكرها إلا عندما وقفتُ أمامه، ويرفع لي رأسه بعد سبعين خريفاً، ليؤشر إلى (الكنبة) التي أتيت منها ويقول لي بصرامة:

- أرجع انتظر... بناديك بعد أنتهي.!!

وأنا مضطر يا عزيزي أن أنتظر، أرجع إلى (الكنبة) وأحمد الله الكريم أنه لم ينفيني إلى جزر (النام نام).!!

(3)

انتظار الموظف حتى ينتهي من أعماله، ثم الالتفات إليك لينهي لك أعمالك، يعتبر من أقسى أنواع الانتظار في التاريخ، منذ اختراع الوظائف وحتى الآن، وإذا وقعت في هذا الفخ، أنصحك في المرة القادمة أن تجلب معك شيء يلهيك عن ملل الانتظار، أنا شخصياً جربت حيل كثيرة جداً، منها أن تحمل معك صحيفة، ولكن هذا الأسلوب لا ينجح في كل الأحوال، لأن الصحيفة يتم تقسيمها على بقية الحضور من المنتظرين من أمثال شخصكم الكريم، وقد يكون نصيبك منها عشرة سطور لا غير.!

مرات أحاول أن أفتح باب حوار مع الآخرين، على الرغم من أنني لا أتقن الحديث مع الغرباء، ولكن بالنظر إلى الوجوه العابسة، أدرك أن هؤلاء الناس لا يملكون المزاج الكافي لسرد ذكريات طفولتهم.!

ثم أحدّث نفسي بأن أصبر من باب: مُكرهٌ أخاك لا بطلُ، وأتذكر بيت الشعر القديم:

قالوا صبرتَ وما صبرتُ جلادة .. ولكن لقلة حيلتي أتصبر

وأحاول أن أتحلى بقدر الإمكان بذلك الصبر الذي (يبلّ الآبري) أو (الحلو مر) بالنسبة للممتحنين من الخارج، وأنا أتعجب من سماحة أهلنا في السودان وكرمهم في بذل الزمن، فـ (بلّ الآبري) كما تعلمون يأخذ الوقت الذي يلزم (الآبري) لكي يبتلّ، وهذا الوقت يبدأ من الصباح وحتى قبيل المغرب، وإذا كان لدي كلّ هذا الزمن الوفير؛ لكنتُ قد اتجهت إلى دراسة الطب منذ زمن بعيد.!

(4)

وأنا في انتظار الموظف أحياناً أتسلى بالرياضيات، الحقيقة لا أحمل وُد حقيقي تجاه هذه المادة منذ الصغر، ولكن أتعامل معها بسياسة مريض الملاريا الذي لا يحب طعم دواء الملاريا، ولكنه مضطّر أن يتناوله، أفكر في البحث عن رقم رباعي أو خماسي كما فعل المهيري، ثم أسأل نفسي إن كان يقبل القسمة على (1) بدون باقي؟.. بعد عدة محاولات جادة أكتشف حقيقة أن أي رقم اخترته يقبل القسمة على (1) بدون باقي!.. ثم أجرب هل يمكن فعل نفس الشيء إذا قسمته على (2) أو (3)؟ في بعض الأحيان أصل إلى القسمة على (25) وهنا تتوقف عجلات التفكير، لكنه تمرين لا بأس به لتحريك عضلات الدماغ، إن كان يملك مثلها.. والحقيقة لا أعتقد، ومن جانب آخر يعتبر طارد ممتاز للنوم.!

بعد ساعة ونَيف أذهب إلى الموظف إياه مرة أخرى، وهذه المرة تصدني نظرته الصارمة، فـ أعود إلى (الكنبة) إياها، التي لو كان خشبها يدرى ما المحاورة اشتكي، وأبحث عن شيء آخر لإلهاء نفسي عن الملل، وأعود إلى الرياضيات مرة أخرى، ولكن هذه المرة أبدأ العدّ بمضاعفة الرقم (2)، أي أن أبدأ العد من رقم (1) ثم (2) ثم (4) ثم (8)، وهكذا إلى أن أصل إلى رقم كبير كفاية، أذكر أنني مرة وصلت إلى رقم (28462).! يمكنك من هذا أن تستنتج طول مدة الانتظار، مع عدم توفر مصادر تسلية في المؤسسات.!

(5)

أفكر أن أعود إلى الموظف الذي يتسلى بانتظاري على ما يبدو، وأظنه يتعامل معي بسياسة:

- إذا أنت لم تنفع فضُر.. فإنما يُراد الفتى كيما يضرّ وينفعُ.!

فأنا منتظر قرابة الساعتين في انتظار توقيع فقط، وأعتقد أن توقيع (اتفاقية البقط) لم يستهلك كل هذا الزمن، وكما تعلمون أن العُمر هبة غالية من الرحمن، ولا يصح إضاعته في انتظار أن يناديك الموظف ليوقع لك أوراقك، ولكن كتجربة أخيرة أحاول هذه المرة أن أتعامل معه بأسلوب (حلب الأفاعي) الشهير، فأذهب إليه وأنا راسماً على وجهي ابتسامة بلهاء كبيرة، وأمدّ إليه ورقتي طالباً أن يمهرها بتوقيعه الكريم، وذلك بنبرة أحنّ من المحنّة الـ في رقة سلام (الكابلي)، والغريب أنه يستلم الورقة بدون حتى أن يدقق في حاملها، يوقعها ويعطيها لي ويواصل عمله.!!

أنا مندهش طبعاً، كنت أظن أنه لن يستلم ورقتي هذه حتى يلج الجمل من سمَ الخياط، أو حتى يتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض على أقل تقدير.!

الحمد لله تم توقيع الورقة، وعمّت السعادة، وعاشت الحملان بجوار الأسود، أنا مشكلتي حُلّت لأنني دمتُ عليها قائماً، أما بقية المنتظرين في (الكنبة)، أظنهم لا زالوا يسألون أنفسهم ذات السؤال التليد:

- لماذا يجعلك الموظف تنتظر، عندما يكون في إمكانه أن يُقضي لك ما تريد في أقل من دقيقة.؟!


السبت، 27 فبراير، 2010

الشينة والمنْكُورة .. في رُطانة الفاتُورة..!!

(1)

أحياناً أسألُ نفسي سؤالاً أوتوماتيكياً بَحْتاً:

- هل نحن عرب أم إنجليز.؟!!

الحقيقة لستُ متأكداً تماماً من أننا عرب، فهذه مسألة اختلف حولها العلماء كثيراً، ولم يتوصلوا لحل قاطع بشأنها حتى الآن، فمنهم من قال أننا عرب ممزوجة بدم الزنوج الحار، ومنهم من قال أننا أفارقة مستعربون، ومنهم من يرى أننا عرباً متأفرقون، إلاّ أنني متأكدٌ تماماً من أننا لسنا إنجليز، ولا توجد بيننا وبين الإنجليز أي صلة قرابة، لهم لغته الخاصة بهم، ولنا لغتنا، إذ أن اللغة العربية هي لغتنا الأم كما تعلمون، وهي لغة الدواوين الحكومية في بلادنا، وهي عندنا هي اللغة التي يخاطب بها الإنسان أخاه الإنسان.

السبب في إثارة هذا السؤال هو عدة مواقف حدثت للعبد لله في بداية دخول (عدادات الدفع المقدم)، التي سمّاها جدّي:

- عدادات الرماد المسجّم.!

وذلك عندما لاحظ أنها تأكل الكهرباء كما يأكل الحمار العلف، أنا على عكس جدّي أحبها تماماً.. ولم أكن أشعر بودّ حقيقي تجاه العداد القديم، ويسعدني أن هذه العدادات الجديدة قطعت الطريق على (أصحاب الجبّادات والقنايات الطويلة)، الذين يحبون أن يتناولوا تيّارهم الكهربائي من الخزّان مباشرة، دون المرور بعدّاد الهيئة الكريم، الاسم الحركي لهذه العدادات هو (الجمرة الخبيثة)، التي لم أوفق في شرح تقنيتها لـ جدّي بتاتاً، وأذكر أنه سألني ذات يوم سؤالا مفاده:

- إنت يا ولد.. أنا داير أفهم .. كيف يعني تدخّل أرقام تجيك كهربا.. والله ده شيء عجيب.!!

هززتُ رأسي بـ حيرة وقلتُ له:

- والله يا حاج الله أعلم .. إلا العلم ده يعني ما خلاّ حاجة.!

جدي دائما ما يفحمني بهذه الأسئلة الفلسفية العميقة، وذات مرة سألني:

- يا ولد يا أسامة .. إنت الموبايل ده بشتغل كيف؟.. وصوت البني آدم ده البمشيهو في الهوا شنو .. لمن كمان يدخل في الموبايل؟! والله حكمتو بالغة.!!

إجابتي بالطبع كسابقتها:

- والله يا حاج الله أعلم .. إلا العلم ده يعني ما خلا حاجة.!

أحياناً أضيف عليها:

- يا جدي نحنا ديل بنعرف نسُوق بس.. إلا طريقة شغلو دي الله ريحنا منها .. وسخّر لنا الخواجات الكفرة الفجرة .. ليفهموها بدلا عنّا.!

(2)

أول يوم لي في التعامل مع تكنولوجيا الدفع المقدم.. التي جعلت مكواة الكهرباء رجسٌ من عمل الشيطان فاجتبوه، ذهبتُ إلى منفذ بيع الكهرباء، اشتريتُ كمية الكهرباء التي طلبتها، فأعطوني ورقة صغيرة مكتظة بالرموز الإنجليزية، وفهمها يحتاج إلى مواطن مُذاكر إنجليزي كويس، صحيح أن أهم ما فيها هي الأرقام المكتوبة بالأسفل بخط عريض، وهي التي تدخلها إلى العداد، فتأتيك الكهرباء من حيث لا تدري، وأنا متأكد تماماً، أنك من حيث فهم طريقة عملها كـ جدّي تماماً، تعرف فقط أن الرقم يدخل العداد ويخرج الكهرباء، هنالك باقي كلام في أعلى الفاتورة، مكتوب بالإنجليزية، وإذا حاولت قراءته، قد يتسبب لك بـ(إحراج فكري) إذا كنت ممن يتقنون العربية فقط.!

السؤال الرئيسي هنا:

- لماذا لا تكون الفاتورة مكتوبة بالعربي الفصيح.؟!

الحقيقة أن جدّي سألني نفس السؤال، وأذكر ذات مرة أمسك الفاتورة بيده في دهشة، وهو يتأمل رموزها الغريبة عليه، فهو يجيد قراءة المكتوب باللغة العربية، ويجهل ما كُتب بغيرها، قال لي في حيرة من أمره:

- يا ولد.. الفاتورة دي ما لها ما مكتوبة بي العربي؟!

كانت إجابتي:

- والله يا جدي الله أعلم .. الفواتير دي كلها بالانجليزي .. الظاهر الناس ديل قايلين قراية فواتير الانجليزي مفيدة للصحة.. ومُدرّة للبول.. أو أنها تخفّض الكولسترول في الدم.!

(3)

أنا شخصياً ليست لدي مشكلة في أن تكون الفاتورة بالإنجليزية، وإذا لاحظت من البداية أن جدي هو الذي لديه مشكلة كبيرة تجاه هذا الأمر، فهو من خلال فلسفته العميقة، وكمثال للمواطن العادي، يرى أن اللغة الإنجليزية ليست لغتنا الأم، وهي عندنا تعتبر لغة ثانية، ويرى أيضاً أنه لا داع للرطانة عندما يتعلق الأمر بكل المواطنين، لذا من المفترض أن تكون على الأقل فواتيرنا بالعربي، خاصة وأن هيئة مثل الكهرباء، يتعامل معها آلاف الناس كل يوم، وهؤلاء الناس ليسوا كلهم مترجمين فوريين، ومنهم من لا يفهم في لغة الإنجليز أي شيء، لذا فهم زبائن كرام بررة، ويستحقون أن يعرفوا ما هو مكتوب على فواتيرهم، فالغالبية منهم الآن يعرفون فقط الرقم المكتوب بالأسفل، الرقم الذي يدخلونه في العداد وليس سواه.!

لا أعتقد أن المختصين هناك يغلبهم تعريب جهاز حساب الفواتير، (طبعاً الكلام من هنا يتبع للعبد لله .. إذا لاحظت أن كلام جدي انتهى في الفقرة السابقة)، فنحن نحتاج لشيء يشعرنا بانتمائنا للغتنا العربية، التي صار الكثيرون من حديثي (الفلهمة) يتبرءون منها، وفي بعض المجتمعات أحياناً أشعر أنني الوحيد الذي يتكلم عربي، بعضهم يتكلم معي ويدخل في الجملة أربع كلمات إنجليزية، هذا إذا كانت الجملة من خمس كلمات.!

ليست لديّ مشكلة مع أي لغة أجنبية، وبالعكس أحبّ اللغة الإنجليزية جداً، وأعتقد أن تعلُّمها قد صار فرض عين على كل فرد مستوطن، وأنا أتحيّن كافة الفرص لأنهل منها أكثر، فهي قد صارت لغة العلم والمعرفة في هذا العصر، ولكنني في ذات الوقت، عندما أتكلم مع بني جلدتي لا أستخدم كلمة إنجليزية بتاتاً، خاصة إذا كان لديها مقابل في اللغة العربية.!

وفي رأيي أن من يكثر من الكلام بالإنجليزية أمام الناس؛ فهو إما يريد أن يثبت أنه راق ومتحضر، أو يريد أن يثبت لمن يتكلم معهم أنهم حمير، أو يريد أن يثبت الاثنين معاً.!

فلكل مقام مقال، والمقام هنا مقام عربي وليس إنجليزي، وقد كلّفني جدّي أن أخطر ناس الكهرباء حتى يغيروا لغة فاتورة الكهرباء من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية.. اللهم هل بلغت؟! .. اللهم فاشهد.!


الثلاثاء، 23 فبراير، 2010

القواصم في حياة العواصم.!!

(1)

كتبتُ أكثر من مرة أنني لا آتي إلى العاصمة الخرطوم إلا للشديد القوي، ولا زلتُ على هذا العهد، لنْ أشدّ إليها الرحال إلا لسبب لا يقلّ أهمية عن الحرب العالمية الثالثة، إذ أنني من النوع الذي يكره حياة المدينة ككُل، دعك من أن تكون هذه المدينة هي العاصمة، بكل زحامها وضوضائها وهوائها المشبع بأول وثاني وثالث وآخر أكسيد الكربون، ويخيّل إلي العبد لله، أن نسبة لا بأس بها من سُكان العاصمة المُثلثة، عبارة عن كائنات عصبية المزاج، تُقضي ثلث يومها في مشاوير هُلامية، والثلث الثاني في الجري وراء المواصلات، وتقضي ثلثها الأخير في الراحة من عنت الجري وراء المواصلات.!

أنا أسكن في مدينة (كوستي) وأحبها جداً، ولا أنوي الخروج منها في مقبل القرون القادمات، وأطول فترة خرجتُ منها هي فترة الجامعة التي قرأتها في العاصمة، وأذكر أن أول يوم لي في الخرطوم انتفشتُ غاية الانتفاش، وشعرتُ بسعادة محورية عظيمة إن صح التعبير.. ولا أظنه يصح، وتصورتُ أنها جنة الله في الأرض، وأنها منجم المادة الخام للسعادة.. إلى أن تبين لي العكس.! إذ أنني في الأيام الأوائل لي في العاصمة، قضيتُ أياما أسود من جلد الفيل، إن كان جلده أسودا.. ولا أظن.!

(2)

فـ في العاصمة -يا عزيزي المفضال- تحسّ بأنك (زول ساي)، وأنك جرمٌ صغير، وذرة غُبار لا تُرى بالعين المجردة، تدور في أطراف هذا العالم الكبير، وترى أن الجميع عبارة عن أشخاص مهمين غاية الاهتمام، ولا يوجد لديهم الزمن الكافي لكي يرمشوا، وتشعر أنك أنت الوغد الوحيد في البلاد الذي يملُك كل احتياطي الوقت الموجود في العالم.!

لا أدرى ما هو المعيار الذي يقيسون به السعادة هذه الأيام، لكن إذا افترضنا أنها يتم قياسها من منظر وجوه الناس الهائمة في الشوارع والأسواق، فليسجّل التاريخ أنني توصلتُ بعد فترة أربعة سنوات قضيتها في العاصمة -التي سئمتُ فيها تكاليف الحياة.. ومن يُعمّر أربع سنوات في العاصمة لا أبالك يسأمُ- توصلتُ إلى أن السعادة بِـ جهة، وسكان عاصمتنا –قدّس الله سرّها- في جهة أخرى بعيدة منها، أو هكذا خيّل إلى العبد لله.. والله أعلم، فأنت في السوق والشارع عندما تنظر إلى وجوه الخلق، ترى الناس يسيرون مكتئبون، فكل واحد منهم أما أنه خارج من مِحنة للتو، أو واقع في مِحنة سلفاً، أو على أبواب مِحنة لا يعلمها إلا الله.!

وكمان جابت ليها كلاب متوحشة في الأسابيع السابقة، ومن كثرة الزخم الإعلامي الذي صاحبها، وفي آخر زيارة لي هنالك، تصورت أن هذه الكلاب تأكل الناس في قلب السوق العربي في وضح النهار، حتى وأنا داخل الكافتيريا كنت أقبضُ على الساندويتش خاصتي بكل حرص، وأنا متأهب لأي هجمة كلب، باعتبار أن الكلاب إذا شاركتنا في طعامنا.. فالويل للكلاب.!!

(3)

أما عن الزحام، فهذا موضوع يستحق أن تُؤَلف فيه سلسلة مُجلدات بعنوان:

- قرع الطبول في زحام العاصمة المهُول.!

يقولون أن:

- الزحمة فيها الرحمة.!

وحسب تجربتي فهذه المقولة تنقصها الصحة، ولابد أن واضعها تاجر إجمالي، أو سائق مركبة عامة، ولا أرى وجهاً للرحمة عندما تعترك الأجساد، وتختلط الأنفاس، ويموج الناس بعضهم في بعض، وتلتف الساق بالساق، وترى الناس سُكارى.. وما هُم بسُكارى، وتتخيل أن الشمس من فوقك على ارتفاع متر واحد، وتتوقع أن يُنفخ في الصُور بعد قليل، وتجد أن حافلة واحدة لا غير.. يتدفق نحوها كمية من البشر، لو قالوا: (بسمْ الله)، لحملوها على أكتافهم، وتوجهوا بها تلقاء (الحاج يوسف) وهم يهللون بسعادة، فالناظر إلي مثل هذه الحافلة بعين العقل، يدرك أن فرصة الحصول على مقعد فيها، يشبه فرصة (بن لادن) في الحصول على مقعد في (الكونجرس الأمريكي).!

وعندما تعودُ إلى منزلك، تجد أنك قد اصطدم بك من الأمام حوالي ألف شخص، وداس على رجلك الكريمة سبعمائة نسمة، ودفعك من الخلف مثلهم، والرحمة الوحيدة في هذا كله هو أنك وصلت على قيد الحياة.!

حتى من يملكون سيارات خاصة، لا أظنهم يستمتعون بها كثيراً، في وسط هذا الزحام والاختناق المروري في ساعات الذروة، حيث تجد أنك تقود سيارتك بسرعة ستة كيلومترات في الأسبوع، أنني والحمد لله لم أكن أعاني كثيراً من زحمة شوارع العاصمة عندما أقود فيها سيارتي، لأنني لا أملك سيارة من أساسه، لأسباب بعضها يتعلق بالدخل القومي، والبعض الآخر بـِ صافي إجمالي الناتج المحلي للبلاد، ولكن حتى وإن كان، كنتُ سأركنها في البيت، أو استبدلها بدراجة هوائية وعشرة (سلوك أقاشي)، وسأصل إلى جامعتي أو مكان عملي قبل أن تُضيء إشارة المرور الخضراء.!

(4)

وهكذا توصلتُ إلى أن لله عبادا اختصهم بحُب حياة العاصمة، وأنا لستُ منهم بكل تأكيد، إذ إنني من النوع الذي يُحبّ الريف، واستمتع كثيراً بحياة البداوة والنقاوة والبال الهادئ والعيش الرغيد، يا ليتني أستطيع أن أرمي بساعتي وموبايلي وكمبيوتري والتلفزيون والثلاجة، وأودّع كل ما يمتُّ إلى الحضارة والمدينة بقرابة، وأذهب البادية.. إلى حيث استنشق هواء لا يكون فضلة خير الآخرين، هواء لم تدوّخه المراوح، ولم تروّضه المُكيّفات، ولم يتنفسه قبلي العشرات، أن أملأ صدري بنسمة تشبعت بماء النيل ورائحة التراب البكر، وأشرب الماء من مصادره الطبيعية، وأنضج طعامي بأعواد الشجر والأغصان الجافة، وكم أتمنى أن أركب حماري الأبيض ذاهباً إلى مزرعتي قبل شروق الشمس، ألقي بالتحية إلى (حاج حمد)، وأردّها بأحسن منها إلى (عم حسنين)، حاملاً طوريتي لأفتح بها المياه حتى تروي شتلات (الطماطم)، وتتسرب إلى جذور (البامية)، وتضخّ الحياة في عروق (القرع)، وأسدّها من جهة حتى لا تغرق (الجرجير)، أحب أن أحمل عصاتي أهشّ بها البهائم في الخلاء، فما أجمل منظر الضأن وهو يداعب الحشائش الخضراء، وكل المُنى أن أحلب اللبن من (غنمايتي) بيدي أنا.. لا بيد عمرو.!

(5)

ولكن.. المشكلة أن الحضارة كبّلتنا بقيود لا يمكن الفكاك منها بالهيّن، أنا ومعي آخرون يكرهون حياة المدينة كـ كراهيتهم للشيطان الرجيم، ولكنهم لا يستطيعون الخلاص منها، وعلى الرغم من أن المدينة تأخذ منك الصحّة وراحة البال، وتعطيك ما تعطيه مكحلةً، إلا أننا للأسف ليس بيدنا أن نغيّر في واقعها سطراً واحدا، ومضطرون للعيش فيها حتى إشعار آخر.!!

الاثنين، 15 فبراير، 2010

من عجائب تريبة الأبناء

(1)

حسب خبرتي كـ ابنٍ بار، وحسب ملاحظاتي للكثير من أنماط التربية لدى الآباء، وجدتُ أن الآباء ينقسمون في طريقة تربية أبنائهم إلى عدة أصناف، منها أنماط أثبتت نجاحها وأخرجت للمجتمع أبناء ناجحين قدموا الكثير للبلاد والعباد، ومنها ما أخرج أبناء مصابون بعقد نفسية لم يفلح الزمن في معالجتها ومحوها، ومنها ما هو عوان بين ذلك.

الحقيقة أنه ليس كل الآباء من أولياء الله الصالحين، لذلك فالكثير منهم -حتى المتعلمين- يقعون في أخطاء فادحة في تسيير حياة أولادهم في اتجاه المستقبل، وكمثال لذلك هنالك نوع من الآباء والأمهات ممن يجتهدون كثيراً في رسم خارطة لحياة أبناءهم، يحددون لهم فيها ما يأكلونه ويشربونه ويلبسونه ويدرسونه، وما يجب عليهم عمله لمدة ثلاثين عاماً تبدأ من هذه اللحظة، وكل ذلك بحجة أن كل الأبناء أوغاد ولا يعرفون مصلحتهم، وسيرغمونهم على الرغم من أنفهم على السير في منظومة من التوجيهات الصارمة التي لا يمكن الحياد عنها، وتنتهي خططهم بأنهم سيتركون أبنائهم يقررون بقية مصيرهم عندما ينضجون.!

لكن المشكلة عندما يكبر هؤلاء الأولاد؛ يصبح من الصعب عليهم أن ينجزوا شيئاً يخصهم لوحدهم، فمثل هذا الابن اعتاد على من يفكر بدله، وعلى من يتخذ قراراته بالنيابة عنه، وقد نشأ على أن يجد كل شيء أمامه جاهزاً، فلا تنتظر منه بعد كل هذه السنوات أن يعتمد على نفسه، فـ الأب هنا بحسن نيته يُخرج ابنه إلى الحياة معدوم الخبرة، وقليل الاحتكاك مع مصائب الدنيا وكُربها، وعلى الرغم من أنه أفنى عمره لكي يُخرج منه شاباً يُعتمد عليه، إلا أن من شبّ على عدم الاعتماد على النفس.. فإنه غالباً ما يشيب عليه.!

(2)

نوع آخر من الآباء والأمهات يرتكب في ابنته ذنباً كبيراً، حيث تجد أن لديهم فتاة وصلت الخامسة والثلاثين من عمرها ولم تتزوج بعد، لأن أبيها وأمها من النوع الذي يتسلّى بطرد الخُطّاب والراغبين في طلب يد كريمتهم، لأنهم يرغبون في عريس من النوع الذي يأكل الطعام ولا يمشي في الأسواق، عريس يعجبه الصيام في رجب، بل ولديه الاستعداد التام للصيام في صَفَر ومُحرّم كذلك.!

مثل هذا الأب –غالباً- من النوع الذي يعرف قيمة ابنته أكثر من اللازم، ويؤمن بأن زواجها عبارة عن صفقة خاسرة، فهو الذي سهر من أجلها، وعلّمها وأطعمها وكساها، وأعطاها كل ما تريد ولم يستبق شيئا، ليأتي في النهاية شاب صفيق رقيع ليخطفها منه، ويؤزّها أزّا لتنسى أهلها إلى الأبد، ومثل هذا الأب على ما يبدو أنه ينتظر حتى يتقدم لابنته (صلاح الدين الأيوبي) شخصياً، أو على أقل تقدير (ولي عهد مملكة قتبان)، وعندما لا يحدث ذلك، ويفوت على ابنته قطار الزواج بسبب صلفه وتعسفه، تجده يعمل بالحكمة التي تقول:

- دع العسل في جراره.. إلى أن يعرف الناس مقداره.!

والمؤسف أن هؤلاء الناس في كثير من الأحايين لا يأتون أبداً.!

(3)

وعلى عكس الأب السابق تماماً، تجد رجل آخر من النوع الذي يعتقد أن البنت عبارة عن مصيبة فادحة وخطراً داهماً إلى إن تتزوج، وينتظر فرصة الخلاص منها في أقرب سانحة، وينتهز بادرة أول خاطب يطرق الباب طالباً يد ابنته الكريمة، فيزوجها إياه حتى ولو كان هذا المتقدم هو زميله عندما كانوا يدرسون في مرحلة الابتدائية سوياً، وهو هنا يرتكب خطأً لا يقل فداحة عن سابقه على كل حال.!

(4)

هنالك كذلك من نوع الآباء يعظّمون أبنائهم وبناتهم باهتمام يفوق الحد المسموح به بزيادة سبعين درجة على عدّاد الاعتداد بالبنين، يفتخر بهم ويبجلّهم ويضرب بهم الأمثال أمام الكل، ويبالغ في ذلك بطريقة قد تحرجهم مع زملائهم أو مع المجتمع الذي يعيشون فيه، وبطريقة تجعل غيره من الآباء ينظر لأبنائه نظرة ضياع ممزوجة بالأسى وقصر اليد الذي لم يجعله يوصل أولاده لمثل هذا المقام الرفيع.!

تجد مثل هذا الأب عادة ما يدخل كلمة (عيالي) في كل جملة مفيدة ينطقها أمام الناس، وكأن عياله هم (عيال أب جويلي الكمبلوا وعرضوا.. في دار كردفان اتغرّبوا وسدروا.. ضربوا الجوز عديل حاشا ما ضلّو.. لبنات البلد سمح الخبر جابوه).. معذرة يا شباب.. الظاهر أنا سرحتُ مع أغنية (محمد الأمين)، ومن الأفضل أن نعود إلى موضوع الآباء، هذا النوع من الآباء الذي يبالغ بالافتخار والانبهار بأبنائه في كل المجالس؛ يُعطي السامع إحساس أن أبناء الآخرين عبارة عن حمير ليس إلاّ!.. لذلك أبناء هذا الأب -غالباً ما- تجدهم يعاملون الآخرين بازدراء، وإذا تعمقنا في النفس البشرية أكثر، تجد أن بنت هذا الرجل من النوع الذي ينظر للكل من على سقف مرفوع، وعلى وجهها تعبير دائم من القرف، ومسحة من التعالي واللامبالاة.. معها سماجة وثقل ظل كمان، وكل هذا بسبب جرعات التضخيم في الذات التي تتناولها في منهج تربيتها، الذي يشعرها بأنها أعلى مقاماً من الجميع، ومن المفترض أن تُعامل على هذا الأساس.!

(5)

لستُ نحريرا ولا حجة في (علم النفس)، ولكن هذه مشاهدات التقطتها من خلال احتكاكي بالمجتمع، الكل يراها وملاحظتها لا تحتاج إلى مهندس صواريخ.. مع العلم أن ما أوردته أعلاه مجرد آراء شخصية، وهي ليست قوانين أو نظريات ثابتة، فهنالك أبناء خرجوا من أصلاب هكذا آباء، ولكنهم ممتازون ومتواضعون وذوو أخلاق عالية، وبالمقابل هنالك فتيات تم فيهن تطبيق جميع أنماط التربية السابقة، ولكن مع ذلك يتميزن بوعي ثاقب، ويرتفعن بمستوى تفكيرهن إلى درجة رفيعة، وبتهذيب وبحكمة في تقدير كل أمور الحياة.!

(6)

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم، مع كامل احترامي لكل الآباء، بكافة أنماط تربياتهم، فكل أب أدرى بتربية ابنه، ولا ينقصه مثلى ليذكره بذلك، فهذه مجرد تأملات أعتقد أنها تدور في أذهان الكثير من أبناء هذا الجيل، وملخص القول كله:

- إذا لم يستطع ابنك أن يرتفع إلى مستوى خطتك لتربيته.. فحاول أنت النزول إلى مستوى فهمه.. لعل هذا قد يجدي.. والله أعلم.!


الأحد، 14 فبراير، 2010

مستشفى -كل من عليها فان- التخصصي..!!

(1)

(أحلام اليقظة) هي نوع من الخيالات التي تزور الـ (بني آدم) البالغ الحُر المُكلف وهو صاحٍ، وعادة ما تكون هذه الأحلام مُستحيلة التحقق على أرض الواقع.

هذه الأيام صار العبد لله يحلم أحلاماً تزن الجبال رزانة.. وهو ماشياً، وليس صاحياً فقط .. و (زلّوط) شخصياً لو سمع بها سيقول لي باستجداء:
- عليك الله يا ابن العم أوزن ليّ من أحلامك دي اتنين كيلو.. واحد سفري والتاني محلي.!

(2)

صارت تأتيني هذه الأحلام النهارية عندما أكون ماشياً في قلب السوق وأنظر إلى غابة اللافتات، لافتات من كل نوع وحجم وشكل، منها ما هو واقف على أرجل طوال، وما هو زاحف على بطنه، منها ما يخطف الأبصار، ومنها ما يلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد.!
على الرغم من ذلك، لم أكن أدقق في جودة وخامة اللافتات، بل أركّز على الأسماء، وعلى ما كُتب على سطح اللافتة، حيث أن التجّار –أحياناً- يسمون محالهم التجارية بأسماء ليست لها علاقة بجودة البضائع بالداخل.. لا من قريب.. ولا حتى من بعيد، تجد (مَغلق) اسمه يتعلق بالرضا، والحقيقة أنه من المستحيل أن تجد فيه شيء يرضيك، قد تشتري منه (زردية) ومع (تقريض) أول صامولة في حياتها، تجد أن (الزردية) قد تكسّرت إلى قطع صغيرة وكأنها صُنعت من الدقيق الاسترالي الفاخر.!
تجد بقالة تعلوها لافتة بطول عشرة كيلومترات –تقريباً- واسمها يومض من على مسيرة سبع ليال سويا.. تجد أن اسمها يدل على الأصالة، في حين أن الأصلي داخلها قليل، وكثير من منتجاتها منتهية الصلاحية.!
ذات الأمر ينطبق على (الجزارات) التي صاروا –يا للعجب- يطلقون عليها (ملحمة)، تجد على لافتاتها مكتوب عبارة بمعنى أن اللحوم لديهم طازجة، على الرغم من أن لحومها مخزنة منذ أسبوع في ثلاجة يفصلون عنها الكهرباء عشرة ساعات في اليوم لأن أهلها يرغبون في تقليل صرف الاستهلاك.!

(3)

نعود لـ لأحلام اليقظة سالفة الذكر، صرتُ أحلم بأن سلطات المحلية قررت من الآن وصاعداً، أن تغيّر أسماء لافتات بعض المحلات التجارية التي لا تخاف الله في حق المواطن المسكين، واكتشفتَ تغريرها بالمواطنين، وبيعها سلع غير صالحة للاستهلاك، وتوصلت السلطات لذلك بعد مراقبتها اللصيقة والدءوبة لها.. ومتابعة كل ما تبيعه هذه المحال للشعب، وبعد اجتماع دام ساعة واحدة، توصلّ أولو الأمر إلى تكوين قوات نظامية تُسمى بـ
- (قوات تغيير أسماء اللافتات).!
وأول ما بدأت به هو تغيير اسم تلك البقالة التي ثبت، أنها أحياناً تبيع سلع مضروبة، حيث تغيّر اسمها إلى:
- (بقالة التاريخ المنتهي).!
وهذا الاسم إنما أتى إحقاقاً للحق، وإزهاقاً للباطل، ومن الآن وحتى يرث الله الأرض وما عليها، كل بقالة ثبت أنها باعت سلع منتهية الصلاحية، سيتم تغيير اسمها إلى (بقالة التاريخ المنتهي)، سواء شاء صاحبها أم أبى.!

(4)

صارت (قوات تغيير أسماء اللافتات) تحقق نجاحات كاسحة، حيث صار اسمها المختصر (قتال) وذلك بعد أن تم أخذ الحرف الأول من كل كلمة، وبعد عدة احتجاجات من نوع أنها تحارب محال تجارية وليس مليشيات على الحدود، تم تعديل الاسم إلى آخر، وذلك بعكس حروف كلمة (قتال)، وصار الاسم الجديد هو: (لاتق)، حيث صارت الأمور بعدها (لاتقة) جدا .. جداً مع المواطنين الكرام، خصوصاً بعد أن تم تغيير اسم أحد محلات الموبايلات للاسم الجديد:
- (محلات الأربعين حرامي للموبايلات المواسير).!!
اتجهت قوات (لاتق) إلى تلك الملحمة وغيرت اسمها إلى:
- (الكيري لـ اللحوم البايتة).!
وغيرت إحدى محلات الخضار إلى:
- (المعفّن للخضر والفاكهة).!
أما محل العصائر الذي كان صاحبه لا يخاف الله وسوء المنقلب، وكان يخلط الفواكه الفاسدة مع الجيدة ويقدمها مخلوطة للزبائن، غيرت قوات (لاتق)
اسمه إلى:
- (مرطبات العصير المغشوش).!
وكل محلات (التمباك) بدون فرز صار اسمها:
- (السرطان المضمون للعماري).!

(5)

اتجهت قوات (لاتق) إلى المستشفيات، حيث صدرت قوانين من جهات عليا، الحقيقة هي جهات عليا شديد، أمرت بتغيير معظم أسمائها إلى أسماء تدل على
حقيقة أمرها، فصرنا نسمع بـ :
- (مُستشفى الندامة التخصصي).!
- (عيادة مَرَقَكْ الله).!
- (مُستشفى لكل أجل كتاب).!
- (مُجمّع -أحمِد الله المَرقتَ حي- الطبي).!
- (مُستشفى الطريق المختصر إلى أحمد شرفي).!

- (مستشفى الدوام لله)!

- (مستشفى كل من عليها فان).!

- (مستشفى الجاتك في روحك سامحتك).!
بل وحتى أسماء الأطباء تم تغييرها، حيث صار من الطبيعي جداً أن ترى لافتة مكتوب عليها:
- (السّفّاح لجراحة العظام).!
- (عيادة الدكتور بلاّع بن كجام).!
كذلك اتجهت قوات (لاتق) إلى بعض الصيدليات التي تبيع الأدوية ذات التاريخ المنتهي، حيث رُكّبت على بعضها لافتات على غرار:
- (صيدلية الأجل المحتوم).!
- (صيدلية ما تلاوز)…إلخ.!

(6)

توجهت قوات (لاتق) إلى معاهد تعليم الحاسوب، التي أحياناً يخرج منها الطالب وهو لا يفرز بين (واو الماوس الضكر) من (ألف الكيبورد الأحمر)،
أحد المعاهد صار عبرة للبقية عندما تم تغيير اسمه إلى:
- (معهد أبو جهل لعلوم الحاسوب)!
ومعهد آخر صارت لافتته تحمل اسم :
- (معهد الفاشلين للتدريب).! وغيره (مقهى إنترنت أوف لاين).!
حتى المدارس لم تسلم من هذه القوات الكاسحة حيث تم تغيير اسم عدد لا يعلمه إلاّ الله من المدارس، إلى اسم:
- (مدرسة العصر الحجري النموذجية).!

(7)

صارت قوات (لاتق) ذات صلاحيات واسعة، حيث ضمّت في كوادرها متخصصون،
ومستشارون من طراز رفيع، وصاروا يطبقون القواعد العلمية والدراسات المنهجية في عملهم، حيث أجروا دراسة ثبت من خلالها:
- (أن البذخ في تجهيزات الزواج.. زيجاته يصيبها الطلاق أكثر من غيرها).!
لذلك عمدت إلى بعض الصالات ومحلات تجهيز المناسبات، التي قد تُقام فيها حفلة زفاف واحدة، إلا أن تكلفتها تكفي لإنشاء مصنع سكر متكامل، وكتبت على لافتاتها بالخط العريض:
- (الطلاق الأكيد لخدمات الأفراح).!


الثلاثاء، 2 فبراير، 2010

المعنى العجيب ..لكلمة (بيريجيب)..!!

كما يعلم الجميع أن لغتي الروسية ضعيفة جداً، الحقيقة أنني لا أعرف سوى كلمة واحدة في اللغة الروسية وهي كلمة (بیريجیب)، وهي كلمة عبقرية.. ومعناها: (محاولة تقويم العصا مما يؤدي إلى ثنیھا في اتجاه آخر) ..إذا لاحظت ستجد أن معظم تفاصيل حیاتنا ھي نوع من ھذا الـ (بیريجیب)، وسأثب لك ذلك في السطور القادمة.!!

× تكون الفتاة في بداية عمرها فائقة الجمال .. وقد تكون من النوع الذي قال فيه (جميل):

لها مُقْلتا ريمٍ، وجِيدُ جِدايَة ٍ.. وكشح كطيّ السابرية أهيفُ

فيطرق بابها عشرات الخاطبين، فترفض هذا بحجة أن أنفه أكبر من اللازم، وتأبى ذلك لأنه أقصر منها بعشرة سنتمترات، وترجع ذاك لأنه يلبس القميص الأحمر مع البنطلون الأسود، وهي طول عمرها لا تثق فيمن يلبسون أقمصة حمراء ببناطلين سود.!

بعد أن يمضي بها قطار العمر .. تنتظر أول من يطرق بابها .. فيطرقه رجل مخيف المنظر.. قصير.. أقصر من ألف واو الجماعة، نحيل كعصا مكنسة، تقريباً وصل المرحلة التي قال عنها المتنبئ:
- ( كفى بجسمي نحولاً إنني رجل/ لولا مخاطبتي إياك لم ترنيِ).
هذا الرجل ليس على رأسه شعر، بل هو أصلع كـ كوكب المشترى، يتدلى من وجهه أنف أكبر من اللازم، الحقيقة أنه عبارة عن أنف كبير يتدلى منه رجل قصير، أما عن وسامته فهو أجمل من أي باقة زيت رأيتها في حياتك، وهو مع ذلك من النوع الذي لا يلبس إلاّ بنطلوناً أسوداً مع قميص أحمر .. ويكون هذا بالذات .. أزفت رجل في الكون.! وبعد كلّ هذا تتزوج به.!

× بعض الفتيات النحيفات يردن السمنة.. وتجتهد الواحدة أيما اجتهاد في شراء حبوب النجمة وأبو سريع، وعندما يصلن إلى مرحلة الترهل.. يفكرن في النحافة مرة أخري.!!

× يجتهد ابن آدم في كنز المال .. ويفني صحته في سبيله، حتى يشتعل رأسه شيباً، ويبلغ من العمر عتياً .. ثم يفني ذات المال الذي جمعه في سبيل أن تعود له صحته القديمة. !!

× إذا لاحظت في جميع ضروب الموضة، أن الشخص يسعى أن يكون أنيقاً، فيبالغ في التأنق، ويجتهد في سبيله، فيلبس أشياء ما أنزل بها الذوق من سلطان، ويفعل في مظهره الأفاعيل، وبعد كل ذلك تجده يبتعد عن الأناقة مسافة بعيدة جداً، وهذا يشبه تحويل بركة من الزفت إلى بركة من الطين. !!

× الفارق الوحید بین أية مشادة عادية ومشاجرة عنیفة ھو (الحجّاز)، أي الشخص الذي يتدخل صائحا:

- يا جماعة باركوها .. استهدوا بالله يا ناس .. الخ

الحجّاز –أحياناً- هو من يؤجج المشاجرة، ولولاه لانتھت الأمور بسرعة وسلاسة.. فهو أحيانا يؤدي دور غراب البين بكل كفاءة، فـ بدلاً عن إنهاء الخلاف، تجده قد أضاف مشكلة أخرى وخلافاً جديداً، هو هنا –كتر خيره- قوّم عصا الخلاف حتى ثناها للجانب الآخر، فخلق خلافاً إضافياً لم يكن موجودا من قبل.!!

× تجد أن الفنان أو الشاعر أو الممثل الشاب في بدايات طريقه محاصراً بالنقد، فيكره النقاد ويمقت كل من يريد تقويمه، ويظنّ أن الكل يقف عقبة في طريقه إلى النجاح، وأن كل من ينتقده إنما هو يسعى لإحباطه وتحطيمه، فيكبر فيه الإحساس .. حتى يتمنى أن يصل إلى المرحلة التي تسمح له بتحطيم المواهب الشابة.! وعندما يصل إلى مرحلة أن يشار إليه بالبنان؛ يبدأ جاداً في إحباط كلّ من بدأ يتلمس طريق القمة، وهو هنا دون أن يدري يكون قد أدى دور عصا (البيريجيب) بكل أمانة.!

× بعض من الناس يعتقد أنه (زول نصيحة)، وأنه يقول الحقيقة مهما كانت العواقب، فيبدأ في وعظ غيره بغية تقويمهم، وقد يكون غيره هم زملائه في العمل، بالذات الناجحين منهم، فـ يصارحهم بعيوبهم أمام الخلق، وهو في كل مرة يحبطهم ويؤدي إلى إبعادهم عمّا يريد، ويجتهد في أن يقودهم إلى مقته بكل السبل، وبعد فوات الأوان .. يتعلم ثلاثة دروس دفعة واحدة وهي:

- لا تصارح الآخرين بعیوبھم إلى أن يكتشفوھا ھم بأنفسھم.!

- انك لن تجعل أثاثك أفضل بأية درجة.. إذا حملت معولا وحطمت أثاث جارك.!

- أنّ إيقاد شمعة أخرى لن يضّر بقية الشموع.!

× أحياناً يدخلون اللص إلى السجن حتى يرعوي ويصلح حاله، وبالداخل يختلط مع المجرمين الحقيقيين، فتنتهي مدته .. فيخرج من السجن .. يتوب تماماً من سرقة البيوت.. ويتجه إلى قطع الطريق.!!

× أحياناً يدخل ابن آدم المستشفى ليتعالج من الملاريا .. فيشفى منها تماماً .. ويخرج وقد أصيب بالتايفويد.!!

× الحب من طرف واحد هو أكثر المشاعر النبيلة إيلاماً في التاريخ، تجد أن الفتى يحب تلك الفتاة حبّاً لو وزّع على أهل المدينة بالتساوي لكفّاهم جميعاً، الفتاة لا تحبه ولكنها تحترمه، وتعتبره صديقاً وأخاً أكبر لا غير، وهو يعرف هذه المعلومة جيدا، ومع ذلك يبدأ في ملاحقتها ومضايقتها في سبيل أن تحبّه، فيتحول في نظرها من شخص مُمل إلى شخص شديد الإملال، فتبدأ نظرتها إليه في التغير .. تعتبره ثقيل الظل بعد أن كان في مقام الأخ، وتبدأ في الابتعاد عنه حتى تختفي من أنظاره تماماً، ويتمنى هذا الأحمق أن تعود الصداقة القديمة، ولكن هيهات.. إنه البيريجيب العجيب يا أخي .. وقانون تقويم العصا الذي لا يخيب إلاّ نادراً .. هؤلاء الروس عباقرة بالفعل.!