‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص سودانية ساخرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص سودانية ساخرة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 10 يناير 2010

حكاية بطيخة قرّبت تخرب ليها بيت!!


(1)

على الرغم من أن الحياة الزوجية عبارة عن رباط مقدّس ومتين، إلاّ أن تفاصيل صغيرة يمكن أن تزعزعه، وقد تفتك به في لحظة واحدة، كمثال لذلك: المزاح الثقيل من أصحاب الزوج مع زوجته، كأن يقول لها أحدهم:

- والله الراجل ده لقينا ليهو عروس جديدة.!

مثل هذه المزحة، على الرغم من عدم جدّيتها، إلّا أنها تترك رواسب سالبة في نفس الزوجة، لذا من الأفضل الابتعاد عن هكذا مزاح.

كذلك توجد تفاصيل أخرى تنتج من أحد أصحاب الزوج بحسن نية، ولكنها قد تكون سبباً كافياً لـ دخول الشك في العلاقة بينهما، وقد تنكّد عليهما العيشة فيما بعد، ومثال لذلك (البطيخ)، فهو أحياناً قد يكون سبباً قوياً في خراب البيوت، ولهذا قصة.!

(2)

ذات يوم، وفي صباح باكر، عرج عليّ أحد أصدقائي في مكان العمل ، كان قد تزوج حديثاً في تلك الأيام، ودخل السوق ليبدأ عمله الذي كان يزاوله قبل الزواج، بعد أن سلّمتُ عليه، لاحظتُ أنه يحمل في كتفه بطيخة كبيرة، وضعها في ركن من أركان المكتب وقال لي:

- عليك الله يا أسامة خلّي البطيخة دي عندك هنا وبجي بشيلها منك نهاية اليوم.

ترك بطيخته وذهب، وأنا من باب فعل الخير، وضعتُ له البطيخة في ثلاجة مُلحقة بالمكتب، وقلتُ في نفسي: من الأفضل عندما يأتي ليحملها، أن يجدها باردة، وما عليه سوى أن يقطعّها ويأكل هو والمدام.. وبالهنا والشفا.!

(3)

نهاية اليوم رجع صديقي ليحمل البطيخة، التي صارت باردة كالقطب الجنوبي، نفضّتُ ما علق بها من جليد، وأعطيتها له مبتسماً وقلت له:

- ختيتها ليك في التلاجة، بقت باردة تمشي تقطّع بس.

ولكنه فاجأني بردّ فعل غريب، حكّ رأسه بـ حيرة وقال لي:

- والله يا أسامة داير تجيب لي مُشكلة مع المَرَة، هسي بت الناس دي تعمل لي تحقيق وتقول البطيخة دي كانت وين وجات من وين باردة كدة.؟

ضحكتُ بتعجّب إذ أنني لم أنظر للموضوع من هذه الزاوية، وقلتُ له:

- ما عندك مُشكلة، لو حصلت حاجة أتصل عليّ وبوضّح ليها الحاصل.!

حمل بطيخته بتوجّس، ورجعتُ أنا أكمل بقية أعمالي.

(4)

بالفعل حدث ما كان مُتوقعاً، اتصلتَ بي زوجته في نفس اليوم، وصاحت بصراخ عالٍ يصل من دمشق إلى حلب:

- هووووي يا أسامة قول الحقيقة، الراجل ده برّد البطيخة عندك، وللا مُعرّس ليهو واحدة تانية بـ الدس وأنا ما جايبة خبر.؟!!

ضحكتُ كثيراً ولم أتوقع أن يصل تفكيرها لهذا الحد المُروع، وقلتُ لها:

- اطمئني تماماً ما في واحدة تانية ولا حاجة.. الزول ده فعلاً برّد البطيخة عندي.!

قالت الولية بعدم اقتناع:

- والله أنا الموضوع ده ما راكب لي في راسي كلّو ..كلّو.. وما بصدّق إلاّ أشوف التلاجة دي بي عيني دي.!

قلت لها بلهجة واثقة:

- مرحب بيك وأنا منتظركم لمن تصلو.!!

(5)

بنت الناس سالفة الذكر، وصلتَ هي وعريسها الجديد، وكانت تعلو وجهها الشراسة والشك وعدم اليقين، طنطن صديقي -الذي هو زوجها في نفس الوقت كما تعلمون- وقال لي بغيظ:

- هسّع عليك الله مُبرّد البطيخة دي مالك عليها.. في زول قال ليك برّدها؟

قلت له ببراءة:

- والله أنا قلت أعمل عمل خير.. يعني حـ تنتظرها لمتين لمن تبرد، أحسن تلقاها باردة جاهزة.!

طنطن بغيظ أكبر:

- هسّع ده عمل خير وللا عمل شر؟

التفتتَ نحوي زوجته وقالت لي والشرر يتقاذف من عينيها:

- وريني سريع التلاجة دي وينها .. الظاهر الشغلانة دي فيها إنّ.. والله الليلة ما ألقى تلاجة هنا إلاّ إنت وصاحبك ده تشوفوا ليكم بلد تطفشو عليها.!!

دخلنا المكتب وأريتها الثلاجة، ولم تصدّق حتى فتحتها لها ورأت أنه بـ الإمكان إدخال بطيخة كبيرة في الثلاجة، إلاّ أن وجهها لم يبدُ عليه الاقتناع، وقالت بلهجة غير المصدق:

- غايتو !!.. لكن لسة نفسي محسكنة .. وكلامكم ده ما واقع لي.!

صفق زوجها بيديه في حيرة، وقلتُ لها: أنه كان هنالك شاهد عيان رأي عملية إدخال البطيخة في الثلاجة لحظتها.!

قالت بلهفة:

- وينو الزول ده جيبوا لي سريع.

بالفعل ذهبتُ لأجلب الشاهد الذي شاف كلّ حاجة، وحكى لها الموضوع من بدايته، بعد كل هذا لم تقتنع إلاّ بعد أن أقسم لها بالله وبالكعبة المشرفة وبعيونه التي سيأكلها الدود.!

ذهبت الفتاة شبه مقتنعة بحمد الله، ونظر لي زوجها نظرة وداع شريرة، فسّرتُ معناها بـ:

- تاني أوعاك تخُت بطيخة زول متزوج في التلاجة يا جاهل.!

(6)

الحقيقة إذا كان هنالك درس ستخرج به من هذه القصة، هو:

- إذا كنت متزوجاً، وأتيت ببطيخة لصاحبك ليحفظها لك حتى تعود من العمل، ووجدتَ هذا الأحمق قد بردّها لك في الثلاجة.. أقو لك نصيحة أخوية في الله:

- خلّي ليهو البطيخة دي في محلّها .. وأمشي أشتري ليك بطيخة تانية.!



الجهود الحثيثة في سماية بت نفيسة..!!

(1)

بعد أن بدأت بطنها بـ التكوّر مُعلنة قدوم ضيف جديد؛ كانت كل الدعوات التي تسمعها (نفيسة) على صيغة: (ربنا يرزقك بي بت)، نعم .. كانت هي الأمنية التي تترقبها (نفيسة) بعد أن رُزقت بـ أربعة أولاد، حتى أن زوجها (إبراهيم) صار يتمنى البنت بعد أن اكتفى من الأولاد، وأولاده الأربعة هم كذلك صاروا يتمنون أن يُحظوا بـ أخت، أخوات نفيسة كذلك صِرن يمطرنها بالدعوات أن ترزق بـ بنت، وجميع نساء الحلة يدعون لـ نفيسة بـ البنت، وهكذا صارت البنت هي مطلب الجميع، حتى أن من كانت ينقصها الموضوع ومن لم تكن؛ صارت تعدّ الأيام والشهور وتترقب البنت.!

(2)

في ذلك اليوم، انطلقت الزغاريد من مستشفى المدينة المجاورة، وانهالت التهاني على (نفيسة)، التي لم تخيّب الظنون وأنجبت بنت، الكُل لم تسعه الفرحة، فقد تحققت الأمنية أخيراً، وصارت البنت هي محور كل حديث، فـ هذه تقول أن عيونها تشبه عيون أمها نفيسة، وأخرى تضيف أن أنفها هو ذاته أنف إبراهيم، وثالثة تؤكد أن أذنها تشبه أذن حبوبتها.!

بعد كل ما سبق من تعليقات انتقل الجميع للسؤال المهم وهو:

- ما هو الاسم الذي ستختاره (نفيسة) لـ ابنتها؟!

(3)

اقترب موعد السماية، أحضر إبراهيم كبشين أقرنين أملحين ليذبحهما في سماية بنته التي لم يختاروا لها اسمها حتى الآن، وفي جلسة جمعت بين إبراهيم وزوجته دار هذا الحوار:

- أها يا نفيسة .. ما اخترتي اسم لـ البنيّة؟!

صمتت نفيسة قليلاً ثم قالت:

- دايرة أسميها (وجدان).!

هتف بها إبراهيم في استهجان:

- وجدان؟!!

ثم أضاف زوجها:

- الحقيقة يعني .. أنا كنت داير أسميها على أمي!!

صرخت نفيسة في دهشة:

- داير تسمى البت (كلتومة)؟!!

- أيوه .. اسم (كلتومة) مالو .. يعني ممكن تكون (أم كلثوم) .. و(كلتومة) يكون اسم دلع ساي!

مصّت نفيسة بعض العرديب ثم قالت بـ استياء:

- يعني اسم كلتومة ده ما شايفو قديم شوية؟!

- لا قديم ولا حاجة .. وانا من دربي ماشي على امي .. أبشرها وأقول ليها البت سميناها عليك (كلتومة).!

(4)

الغريب في الأمر أن (حاجة كلتومة) والدة إبراهيم رفضت أن تُسمَى البنت على اسمها، وكان السبب غريباً بعض الشيء.!!

- ليه يا حاجة ما دايرة البت تشيل اسمك؟!

- والله يا ولدي بتك دي من قبل ما يلدوها أنا حجزت ليها اسمها!

- والله ؟!.. الله يديك العافية يا حاجة .. أها دايرة تسميها شنو؟!

- دايرة أسميها (التاية) على اسم أمي الله يرحمها.!

حملق إبراهيم في والدته بـ اندهاش ثم قال:

- التاية؟!!

وأضاف بذات الذهول:

- يعني ما شايفة الاسم ده قديم شوية؟!

هزت والدته رأسها بعناد:

- لا .. لا قديم ولا حاجة .. من دربك ده طوالي تسميها (التاية)!

ثم فجأة انفجرت في بكاء حار وهي تغمغم:

- يا حليلك يا أمي .. التاية .. الضواية!!

هدأها ابنها وهو يقول لها:

- خلاص .. خلاص يا حاجة .. نسميها (التاية)!!

خرج إبراهيم وهو يطنطن:

- البت أمها قالت يسموها (وجدان) .. وأنا قلت يسموها (كلتومة) .. وأمي قالت يسموها (التاية) .. دي يحلوها كيف؟ .. كدي نمشي على ابوي في الدكان .. يمكن يكون عندو راي تاني!!

(5)

جلس إبراهيم مع والده وحكي له الأسماء المقترحة لـ ابنته، إلا أن والده كان له رأياً مخالفاً.!

- أمك دي جنّت وللا شنو؟… تسمي البت (التاية) ؟!

هتف (عبد الجبار) والد إبراهيم بـ العبارة أعلاه بـ قوة!

أجابه ابنه في إحباط:

- نسوي شنو يا حاج .. قلت أمشّي كلامها عشان أرضيها .. زعل الوالدة صعب.!

- ده كلام فارغ .. البت دي أنا اخترت اسمها من قبل ما يلدوها زاتو!!

تهللت أسارير إبراهيم ولاح له بارق أمل في تغيير اسم (التاية) إلى اسم أخفّ وطأة، وهتف بـ سعادة:

- صحي يا حاج .. الله يديك العافية .. اخترت ياتو اسم؟!

حمحم حاج عبد الجبار ثم قال:

- نسميها (الليمونة) .. على اسم أمي!!

(6)

كاد إبراهيم أن يُصاب بـ اكتئاب، فـ صغيرته حتى الآن لديها أربعة أسماء (كلتومة) .. (التاية) .. (الليمونة).. (وجدان).. ومن اقترحوا هذه الأسماء لا يستطيع أن يكسر لهم رأيا، وهذه في رأيه ورطة كبيرة، فكّر في رأي آخر، فـ هو حتى الآن لم يشاور أخوانها الأربعة، فـهم لهم كلمتهم أيضاً.!

بعد أن اجتمع بهم، وجدهم الأربعة قد اتفقوا على اسم واحد.!

- جميلة؟!

نطق بها الابن الأكبر، وهو يخبر والده بـ الاسم الذي اتفقوا عليه، ذهب عنهم والدهم وهو يشعر أن الموقف تأزم أكثر، ماذا سيسميها الآن، فـ الأولاد قد زادوا الأمر عِلة، وفكر في أن يجتمع بـ الجميع، وبعدها سيقرر ما يتفقون عليه.!

(7)

في جلسة عائلية ضمّت إبراهيم ووالديه، وزوجته وأبناءه الأربعة، اجتمعوا ليناقشوا أي اسم سيختارونه لهذه البنت.؟!

نطق الجميع بـ صوت واحد:

- التاية.!

- الليمونة.!

- وجدان.!

- جميلة.!

وأضاف إبراهيم:

- كلتومة!

ثم قال:

- كِده ما حـ نصل لأي قرار!

وبعد نقاش دام لـ خمس ساعات، اتفق القوم على رأي غريب، وهو أن أي واحد سينادي البنت بـ الاسم الذي يروق له.!

(8)

مضت سبعة أعوام والبنت والدها يناديها بـ (كلتومة)، ووالدتها تناديها بـ (وجدان)، وحبوبتها بـ (التاية)، وجدها بـ (الليمونة)، أما الأبناء الأربعة فينادونها بـ (جميلة).! تأقلمت البنت على هذا الوضع الغريب، واستطاعت أن تستوعب الأسماء الخمسة، إلا أن الحال من المستحيل أن يدوم هكذا، فقد حان وقت إدخالها المدرسة، وبما أن القرية ليس بها نظام (رياض الأطفال)، وشهادات الميلاد عادة ما تُستخرج لـ الطفل في أول عام له في المدرسة؛ لذا فقد طالبت مديرة المدرسة بـ اسم موحد للبنت حتى يمكن تسجيله في شهادة الميلاد، وبعد أن تشاور الجميع اتفقوا ولـ أول مرة على القرار الصحيح، وهو أن يستشيروا صاحبة الاسم نفسها، فـ بسنواتها السبع تستطيع أن تختار اسمها الذي يحلو لها.!

فكّرت البنت، وكان الكل يغمز لها أن تختار تسميته، وحتى تخرج من هذا المأزق، أتت بفكرة محايدة، وهي أن تختار الحرف الأول من كل اسم، وما سيأتي سيكون اسمها!.

وافق الجميع على رأيها، وتولى أحد الأولاد عملية رص الأسماء عشوائياً، فـ كانت كالآتي:

- كلتومة!

- التاية!

- الليمونة!

- وجدان!

- جميلة!

وبعد أن تم تجميع الحرف الأول من كل اسم مع استبعاد ألف لام التعريف صار الاسم الجديد هو (كتلوج) .. نعم وافقت البنت على هذا الاسم، وتم تسجيلها في المدرسة بـ الاسم الجديد: (كتلوج إبراهيم عبد الجبار).!

حكاية (سليمان ود نفيسة) السحّار!!

(1)

(سليمان ود نفيسة)، هذا هو اسمه الذي اشتهر به، ومن النادر أن تجد من يعرف اسم أبيه، نشأ من صغره (عينو حارّة)، كان أي شيء ينظر يلقي عليه نظرة ويعلّق عليه يسحره و(يغطس حجرو) عديل، فعينه الحارة لا تؤثر على البشر فقط، بل إمتدت للجمادات والنباتات والأنعام، حتى السيارات طالتها حرورية عينه، ومن ذكرياته عندما كان صغيراً، في عمر ستّ سنوات فقط، كان راكباً في بوكس (ود الفضل) الذي يستخدمه لتوصيل الخضار من المزرعة لسوق القرية، وفي أثناء مرورهما بشارع به الكثير من المطبات و(الدقداق) و(الكراضم)، التفت (ود نفيسة) إلى (ود الفضل) وقال له وبراءة الأطفال في عينيه:

- عم ود الفضل .. عربيتك دي لساتكا مُربعة وللا إنتَ ماشي في لوح زنكي؟

ومن ذلك اليوم البوكس ما (ضاق عافية) مرة (كاسر كرونة)، وتارة (ماكل تروس)، وأحياناً (قادي لديتر)، أخيراً (الشاسيه) انكسر و(المكنة سيّحت)، وأضطر (ود الفضل) الي استخدام الكارو والحمار لتوصيل الخضار للسوق وهو يلعن اليوم الذي ركب معه هذا الولد، هذه الحادثة عندما كان (ود نفيسة) طفلاً، وعندما كبر قليلاً تنامت معه موهبته في حرارة العين إلى درجة لا يمكن السكوت عليها بتاتاً.

(2)

في احد الأيام دخل (ود نفيسة) منزل عم (محمود) سيد الدكان المشهور في البلد، الذي كان لديه طفلاً صغيراً يحبو، (حاجة فاطنة) زوجة (عم محمود) حرّسته البيت، وأوصته على الصغير ريثما تذهب لجلب شيء من الجيران، غفل (ود نفيسة) عن الطفل دقائق، فحبَى الأخير لخلف الزقاق، حضرت أمه وسألته:

- ولدي وينو يا ود نفيسة؟

فأشار لآثار حبو الطفل وقال لها:

- يا حاجة فاطنة تابعي درب التركتر ده طوالي بتلقيهو في نهايتو!!

تقصّتْ الأثر فوجدت طفلها غاطساً في (البلاّعة) حتى أذنيه، ولو لم يُسْعف سريعاً لودّع الحياة الدنيا إلى غير رجعة، وكل هذا بسبب عين (ود نفيسة) الحارة، الذي صار صبيّاً واشتهر في القرية بسحره، واشتهر بأنّ تعليقه (ما بقع واطة)، وصار الكل يفرّ منه فرار الغزال من النمر، خشية أن تطالهم أحد تعليقاته التي تؤدي مفعولاً سريعاً، وإذا أصابت أي ابن آدم لن تطل سلامته وستلحقه (الودّعو ارتحلو وشالو الهنا ورحلوا)، حتى أن البعض صار يدفع له نقوداً كاش وينال منه وعداً بأن يتركه في حاله، فيقبض منه (ود نفيسة) وهو يقول له مبتسماً في خبث:

- أرقد عافية يا زول .. ما بتجيك تاني عوجة.!

(3)

(ود نفيسة) كان لا يترك شخصاً في حاله، حتى الطير في السماء لم يسلم من عينه الحارة، وذلك عندما كان يتجول في حواشة (حاج موسى ) رأى طائر (ود أبرق) يعتلي قندول ذرة ليلتقط له حبات تسد رمقه، نظر إليه وقال:

- عاين ود أبرق ده عامل زي الكهربجي البصلح في العمود!!

وبعدها بثوانٍ وقع الطائر ميتاً أثر عين حارة لم تمهله طويلاً، وحواشة (حاج موسى) كذلك تأثرت بجانبٍ من (حرورية) العين، فـ في اليوم التالي مباشرة هبط عليها سرب من الجراد من فصيلة (ساري الليل) إختارها من دون الحواشات، فقضى عليها كلها، ولم يترك فيها ولا حبة ذرة واحدة.

(4)

هكذا صار ود نفيسة السحار أخطر رجل في القرية، على الرغم من أنه نحيل الي درجة أن (كتاحة) خفيفة يمكن أن ترميه على الأرض، إلا أن أعتى الرجال وأضخمهم وأطولهم شنباً كان يهابه، الكل يخافه ويترك له الطريق إذا رآه من بعيد.

تطورت قدرات (ود نفيسة) إلى مراحل خطيرة، في ذلك اليوم الخريفي، تجمعت السحب السوداء حتى حجبت الشمس منذرة بهطول أمطار غزيرة ينتظرها الجميع لريّ زراعتهم التي كادت أن تذبل من العطش، نظر (ود نفيسة) للسحب وقال:

- يا جماعة كدي عاينو السحابة دي شايلة كيف .. يعني هسّع كان الغنماية رفعت قدومها ممكن تشرب!

شهود عيان أكّدوا أنه لم تمض دقائق حتى تفرقت السحب وعادت من حيث أتت وسطعت أشعة الشمس التي كانت مختفية خلف الغيوم، ولم تهطل الأمطار إلا بعد أن صلوا لها صلاة الاستسقاء.!

(5)

استفحل أمر (ود نفيسة)، حار الجميع في أمره، فإتفق رجالات القرية سراً على أن يجتمعوا تحت (شجرة العمدة) ليقرءوا عليه –غيابياً- سورة البقرة عشرين مرة، حتى يحرقوا ذلك الشيطان في جوفه، وحدّدوا صباح يوم الجمعة بأن يأتي كل واحد بمصحفه ليقوموا بهذه المهمة، على ألاّ يشمّ (ود نفيسة) الخبر، لأنه لو عرف بهذا سيكون إننتقامه رهيباً، وهكذا تفرقوا على هذا الموعد، أتى يوم الجمعة سريعاً، تجمعوا كلّهم تحت (شجرة العمدة)، وقبل أن يقولوا بسم الله، هبط عليهم (ود نفيسة) من فوق الشجرة، لا أحد يعرف كيف سمع بالخبر، ولكن هذا ما حصل، وما إن رأوه، حتى تأكدوا تماماً أن (واطاتهم أصبحت)، وبحلق فيهم بتشفي وهم يرتجفون، وقال لهم مخاطباً:

- دايرين تنزلوا عليّ سورة البقرة عشرين مرة.. دي آخرتا .. يعني أنا شيطان.. ينزل فيكم النّزل في حمار (قسم السيد)، عاملين كده زي الشكلوتات.!

أطلق كلامه وذهب، لا أحد يعرف ماذا حلّ بحمار (قسم السيد)، ولكن عندما أشرقت شمس الصباح، تم نقل (ود الفضل) الخضرجي إلى مستشفى المدينة بعد أن ظهر لي سكري فجأة بدأ بصدمة كادت توفّيه، أما (شيخ مكي) إمام الجامع أصيب بـ (البُرْجُم)، وانطلقت فيه (كاروشة) فـ صار يحك جلده بالطوب الأحمر، (محجوب) سيد الدكان، احترق دكان وعضّه كلب سعران في رجله، طعنوه عشرين حقنة سعر في بطنو، تبقي (عم فضل) سيد الطاحونة، لم يظهر عليه أي شيء، ولكن تحت .. تحت.. قالوا أنه مرات بضحك برااااهو!!.

الشرطة في خدمة شعب ما عندو موضوع..!!

(1)

أمسك العقيد (مختار) ذلك التقرير الذي يوضح أن بين كل مائة بلاغ عبر الهاتف توجد ثلاثة بلاغات حقيقية، والبقية بلاغات كاذبة وفارغة وتزعج الشرطة وتضيع وقتهم، أكمل كباية الشاي على عجل ثم ذهب لقسم البلاغات الذي توجد فيه كابينات الهواتف التي تستقبل هذه البلاغات ليتأكد بنفسه صحة ما أتى في التقرير، دخل وألقى عليه بقية الضباط التحية، اتجه نحو أول كابينة وهو يقول:

- (الليلة أنا داير اتأكد من البلاغات الفارغة الخيالية الـ في التقرير دي).!!

أفسح له الملازم حسام المكان أمام إحدى التلفونات، قبل أن يجلس العقيد مختار رن جرس التلفون:

- ألو..؟؟

رد العقيد بنفسه:

- مرحباً.. معاك شرطة النجدة .. اسمك والبلاغ..؟؟

- أنا .. يعني .. البلاغ بتاعي .. أصلو مفتاح الدولاب وقع في الخور .. وبعدين ..

وضع العقيد سماعة التلفون بدهشة ونظر للملازم نظرة من طراز: (يعني الشغلانة كده).

رن الجرس التلفون مرة أخرى معلناً وصول مكالمة أخرى:

- ألو .. شرطة النجدة؟

- نعم.

- عندى بلاغ.

- اتفضل.

- الحقيقة جاتنا الليلة كتاحة وغبار وانتو كشرطة من المفترض يعني …

وضع العقيد السماعة بهدوء وهو يقول للملازم:

- سبحان الله .. يعني البلاغات كلها كده؟!!.

- نعم سعادتك .. في بلاغات بسيطة حقيقية.!

(2)

رجع العقيد مختار مكتبه وهو يضرب أخماساً في أسداس، ويفكر في طريقة يحدّ بها من سيل البلاغات الفارغة الناتجة من عديمي الشغلة والموضوع، وفي أثناء ذلك سمع طرقاً على الباب.

- اتفضل.

دخل الطارق ألقى التحية ثم قال:

- الرقيب حمدان سعادتك.

- مرحباً.

- الحقيقة سعادتك أنا عندي اختراع.!

- اختراع شنو؟

- اختراع يكشف صاحب البلاغ الكاذب بالصوت والصورة ويحدد مكانو.!

نهض العقيد من مكانه فرحاً وهو يقول:

- معقول في اختراع زي ده… ابدا في التنفيذ فوراً .. وكان الاختراع ده نجح توقع ترقية استثنائية ومكافأة كبيرة.!

ألقى الرقيب حمدان التحية وذهب.

(3)

كان حمدان يربط آخر سلك في الاختراع، ويضع عليه اللمسات الأخيرة تهيؤاً لتجربته، انتهى منه والتفت نحو العقيد قائلاً:

- الاختراع جاهز سعادتك.

نظر العقيد نحو الجهاز ذي الشاشة المسطحة العريضة باهتمام منتظراً أول مكالمة.

رن جرس الهاتف:

- ألو .. شرطة التلاتة تسعات؟

نظر العقيد نحو الشاشة فوجد رجلاً يرقد على سريره في وسط الحوش خالفاً رجله وبقربه كباية شاي وهو يطرقه أصابع رجله بمزاج.

تكلم معه العقيد:

- مرحباً .. معاك شرطة النجدة .. أي خدمة؟

رشف الرجل من كباية الشاي ثم قال:

- عندي بلاغ.

- اتفضل.!

جلس الرجل في وسط سريره وقال:

- ياخ انا اشتريت قميص من السوق .. وطلع مقاسو أصغر مني .. وبعدين ..

وضع العقيد سماعة التلفون والتفت نحو القوة الموجودة في الدورية وهو يقول في حزم:

- جيبو لي الزول ده؟

وفي أقل من ربع ساعة تم إحضار الرجل مذهولاً، حكموا عليه بغرامة مائتي جنيه، أو السجن لمدة شهر. نسبة لفلسه المدقع، اختار السجن.!

(4)

كان اختراع الرقيب حمدان يعمل كفاءة عالية، وفي شهر واحد تم القبض على الآلاف من عديمي الموضوع، وكلهم مفلسين، وكلهم تم إيداعهم السجن، ولكن…!!

(5)

أمسك العقيد مختار بذلك التقرير الذي كان مفاده: (أن النزيل في سجن البلاغات الكاذبة يكلف الدولة عشرين جنيهاً في اليوم، أي ستمائة جنيه في الشهر، في حين أنه إذا دفع الغرامة يدخل للخزينة مائتي جنيه في الشهر)، قلب الورقة الثانية فوجد مكتوب عليها تصوُّر لتوسعة سجن البلاغات الكاذبة يكلف رقماً أمامه تسعة أصفار بالتمام والكمال.!

وضع التقرير على سطح المكتب بحدة وهتف بصوت عالي:

- حمدان!!

دخل حمدان مسرعاً ألقى التحية وقال:

- نعم سعادتك.

- ما عندك اختراع تاني أصلو اختراعك الأول ده طلع معانا بالخسارة.!

- نعم سعادتك في اختراع يتلف بطارية التلفون الـ اتصل منو صاحب البلاغ الكاذب.!

- أيوة .. ده اختراع جميل .. ابدا في التنفيذ فوراً.

(6)

ربط حمدان آخر سلك في الاختراع ووضع اللمسات الأخيرة فيه تهيؤاً لتجربته، انتهى منه والتفت نحو العقيد قائلاً:

- الاختراع جاهز سعادتك.

- أبدا التجربة.

هذه المرة أثبت الاختراع نجاحه تماماً، كل صاحب بلاغ كاذب تلفت بطارية تلفونه في الحال، وبعد شهر واحد قرأ العقيد مختار التقرير وكان فيه أن البلاغات انخفضت إلى عشرين بلاغ في اليوم كلها حقيقية.تنفس الصعداء وهو يقول لنفسه:

- أخيراً حـ نقفل ملف البلاغات الفارغة دي.

(7)

بعد شهر آخر دلف الرقيب حمدان مكتب العقيد مختار وهو يلقي التحية ويقول:

- التقرير الشهري سعادتك.

أجابه العقيد بـ هدوء:

- كدي أقرا نشوف الحاصل شنو؟

- يقول التقرير: ( نجح الاختراع الأخير في تقليل نسبة البلاغات الكاذبة إلى صفر بالمائة، إلاّ أن جميع البطاريات التي تلفت لدى أصحاب البلاغات الكاذبة تم رميها في النيل، وهذه تعتبر مشكلة كبيرة.. )

قاطعه العقيد:

- مشكلة شنو يا حمدان، يرموها في النيل، في الصحراء، زاتو ارتحنا منهم.

يواصل الرقيب قراءة التقرير:

- (أدت البطاريات التالفة للقضاء على جميع الأسماك في تلك الناحية، تراكمت الأسماك الميتة على الشاطئ الذي أصبحت رائحته عفنة ولا تطاق، ازدادت اعداد الكلاب والقطط الضالة في المدينة، وارتفعت أسعار الأسماك بصورة غير .. )

يقاطعه العقيد مختار:

- حمدان؟!

- نعم سعادتك.

- ما عندك اختراع تاني؟!

- نعم في اختراع بخصم كل الرصيد من التلفون المتصل منو صاحب البلاغ الكاذب، وبخصم منو أي رصيد حـ ينزل بعداك.

- أيوااا .. ده اخترع مية المية .. خصم الرصيد ده أنا عارفو حار والفارغين ديل ما بقدرو عليهو .. ابدا في التنفيذ فوراً.

- حاضر سعادتك.

(8)

ربط الرقيب حمدان آخر سلك في الاختراع الذي يخصم كل الرصيد من تلفون المتصل صاحب البلاغ الكاذب، وطوره ليخصم كذلك كل الرصيد من أي تلفون اشتراه باسمه، وضع عليه لمساته الأخيرة تهيؤاً لتجربته، انتهى منه والتفت نحو العقيد مختار قائلاً:

- الاختراع جاهز سعادتك.

- ممتاز ننتظر أول مكالمة.

بعد حوالي خمس دقائق رن جرس الهاتف:

- ألوووووو … النجدة؟

رد عليه العقيد بنفسه:

- نعم النجدة أي خدمة؟

- آآآآ … داير أقول شنو.. فطرتو بي شنو الليلة؟!!

يضع العقيد سماعة الهاتف وهو يقول في غيظ:

- اللهم طولّك يا روح .. وبعدين مع الفارغات دي؟!

يلتفت نحو الرقيب حمدان ويقول بلهجة آمرة:

- حمدان.

- نعم سعادتك.

- اخصم رصيد الزول ده كلوّ .. ما تخلي ليهو ولا قرش.

- حاضر سعادتك.

ضغط حمدان زراً في الجهاز الجديد، أضاءت شاشته الصغيرة معلنة استقبال رصيد بقيمة مائة جنيه من تلفون المتصل.!

تنهد العقيد بارتياح وهو يربت على كتف حمدان قائلاً:

- كده تمام.

(9)

على جانب آخر داخل منزل في وسط أحد الأحياء كان (أمين) و(طارق) طلاب على وشك التخرج من كلية الحاسوب، كانا يلعبان (البلي استيشن) في اندماج، فجأة ألقى أمين عصا الألعاب وهو يقول بضيق:

- ياااخ .. خلاص أنا زهجت من اللعب.

ثم يلتفت نحو طارق قائلاً:

- ما سمعت الخبر الجديد .. قالو ناس النجدة جابو جهاز جديد كان زول اتصل بي بلاغ كاذب بخصم منو رصيدو كلو، ويخصم أي رصيد حـ ينزل في الموبايل بعد داك.!

هتف طارق بدهشة:

- معقول ..!!

- أيوا الكلام ده صاح .. (محسن) اتصل عليهم أمس.. سألهم:( الساعة كم؟) خصمو منو خمسين جنيه.!

- هههه .. والله يستاهل.!

- لكن رايك شنو مع عدم الموضوع الفينا ده نقوم نعكس العملية.

- كيف يعني؟!

أجابه طارق وهو ينهض قائلاً:

- أتبعني.

تبعه حتى وصلا جهاز الكمبيوتر في آخر الصالة، جلس عليه أمين فتحه، ثم دخل شبكة الانترنت، واخترق موقع شركة الاتصالات، كتب بعض المعادلات والعبارات التي لم يفهمها طارق، بعدها تراصت أرقام كثيرة على سطح الشاشة، اختفت جميعها بغتةً ثم أطلق الكمبيوتر صفيراً متقطعاً، وكتب على الشاشة: (تمت العملية بنجاح)!.

التفت طارق نحو أمين وهو يقول مندهشاً:

- عارفك مجنون كمبيوتر .. لكن عملت شنو؟!

أجابه أمين ببساطة:

- عكست العملية.

- عكستها كيف؟!

- يعني بعد جهاز النجدة يخصم الرصيد يتم تخزينه في كمبيوترات شركة الاتصالات، دخلت حساب الشركة وكتبت أمر للكمبيوتر يرجع الرصيد لي سيدو بعد دقيقة واحدة بس.

- وعملت كده لي شنو ؟

أمسك أمين عصا ألعاب (البلي استيشن) وهو يهزّ كتفه بـ استهتار قائلاً:

- والله ساي.. عدم موضوع بس.!

(10)

خبط العقيد مختار سطح مكتبه بغيظ وهو يصرخ غاضباً:

- حمدان..!!

دخل حمدان مسرعاً وهو يلقى التحية:

- نعم سعادتك؟!

- الرصيد ده قاعد يمشي وين؟!

- في واحد دخل النظام وعمل حاجة خلت أي رصيد انسحب يرجع لي سيدو تاني بعد دقيقة واحدة بس.!

- يا سلام … ده فاعل خير يعني؟!

ثم ارتمى على مقعده وهو يخبط كفاً بـ كف ويقول في حيرة:

- والله يا حمدان الناس ديل حيرونا معاهم .. نحنا بنخدم في شعب ما عندو موضوع!!

ثم أضاف بحدة:

- حمدان .. ما عندك اختراع تاني؟!

- أبداً سعادتك اختراعاتي انتهت كلها!!

سرح العقيد حمدان ببصره قليلاً ثم هتف بحماس:

- حمدان!!

- نعم سعادتك؟!

- لو في زول اتصل وقال بلاغ فارغ، تقدر تحوِّل ليهو كل البلاغات الفارغة الـ بتصلنا هنا.؟!

- ما فهمت سعادتك؟!

- ياخي ركز معاي .. تعمل ليهو تحويل مكالمات عادي لأي بلاغ بصلنا هنا عشان يجرب المصيبة القاعدين نحنا فيها دي.!

- تقصد سعادتك كل المكالمات .. يعني ما تصلنا هنا ويرد هو عليها؟!

- لا لا يا حمدان .. حولها ليهو بحيث يفتح التلفون ويسمع صوت المتصل لكن لما يقدر يرد عليهو!!

ثم أضاف بانفعال:

- فهمتني يا حمدان؟!

- نعم فهمت سعادتك.

- وبعدين أي تلفون جديد يشتريهو بي اسمو حول فيهو برضو.

- حاضر سعادتك.

(11)

ربط حمدان آخر سلك في الجهاز الجديد، ثم التفت نحو العقيد قائلاً:

- الاختراع جاهز سعادتك.

فرك العقيد يديه في انفعال ثم قال:

- تمام .. أنا متأكد المرة دي الخطة حـ تنجح تماماً.!

(12)

في الخارج أصابت الدهشة (عديمي الموضوع) الذين يتصلون لـ بلاغات كاذبة، أصبحت تنهال على تلفوناتهم الآلاف من المكالمات والبلاغات الفارغة والمقدودة، واندهشوا أكثر عندما اشتروا تلفونات جديدة، ووجدوا بها نفس المشكلة، البعض رمى تلفونه، والآخر فعل شيئاً غريباً.!!

(13)

هتف العقيد مختار بصوت عال:

- حمدان!!

دخل حمدان مهرولاً:

- نعم سعادتك؟!

- الجوطة البرة دي شنو؟!

- ديل مواطنين محتجين قالوا دايرين يقابلوك شخصياً!.

خرج عليهم العقيد مختار، فـ وجد أمامه جبلاً صغيراً من الموبايلات والتلفونات الثابتة والهوائية والسلكية وغيرها، كلها رُدمت وكُوِّمتْ في تلٍ صغير أمام بوابة القسم، ثم رفع رأسه ووجد حشد كبير من الجماهير التي تقف أمام البوابة.

هتف فيهم العقيد:

- أها في شنو يا جماعة؟!

انبرى له أحد المواطنين وهو يقول:

- نحنا بتاعين البلاغات الفارغة .. وأنا المتحدث الرسمي باسم المجموعة.

ابتسم العقيد في سخرية وعقد ساعديه أمام صدره وهو يقول:

- طلباتك.؟!

حمحم الرجل ثم قال:

- والله يا جنابو الاختراع الأخير بتاعكم ده صعب عديل، فـ أنا أصالة عن نفسي ونيابة عن الباقين قررنا إنو تشيلو التلفونات بتاعاتنا دي وترجعوها زي أول!!

ثم أضاف:

- وبعد داك دخلونا السجن!!!

النفوس كانت إتطايبت .. القُطيّة بتشيل ميّة..!!

(1)

سناء وخالد، تزوجا قبل عدة سنوات في إحدى القرى وأنجبا طفلين، الأكبر عمره ستة أعوام، والأصغر أربعة، من شدّة فقرهم يسكنون في قطّية واحدة، كانت تحويهم هم الأربعة بصعوبة بالغة، واشتكت له سناء كثيراً لـ يبني قطية أخرى للصغار، ولكنه في كلّ مرة يعتذر بضيق ذات اليد، وفي نفس الوقت كان يسكن والدا خالد في قرية أخرى تبعد كثيراً عن قريته، ويتجشّم الكثير من المشاق حتى يزورهما، في يوم ما قال لـ زوجته:

- يا سناء .. أنا داير أجيب أمي وأبوي يسكنوا معانا هنا جوة في القطية دي!!

اندهشت سناء كثيراً، كيف سيسكنهم وهم كلّ ما يملكونه هذه القطيّة الصغيرة، التي تُستخدم كـ صالون ومطبخ وغرفة نوم وغرفة معيشة في آن واحد، وكادت أن تقول شيئاً ما ولكن سكتت، وقال بصوت متحشرج:

- خير إن شاء الله.!

تهلّل وجه خالد بالفرح، امرأة أخرى كانت ستقول له:

- يا أنا يا انت وأبوك وأمك في البيت ده.!

(2)

بالفعل ذهب خالد ليجلب أبويه من البلد، ودّعها وقال لها أنه سيغيب أسبوعين ويعود بهما.

ضربت سناء أخماسها في أسداسها، ووضعت يدها على رأسها وهي تفكّر في هذه المصيبة، وكيف يمكنها أن تخرج منها، وبعد تفكير طويل، قرّرت أن تذهب لأبيها الذي يسكن معها في نفس القرية، حكت له بالموضوع كلّه، ثم قالت في يأس:

- أها يا أبوي .. أنا أعمل شنو؟.. الراجل جاي بعد اسبوعين وجايب أبوه وأمو.!

عبث الرجل بلحيته قليلاً ثم قال لها:

- يا بتي مُش عندكم بقرة في البيت؟

اندهشت سناء لكلام أبيها العجيب، ثم قالت له بتعّجب:

- آآي يا أبوي .. عندنا بقرة، لكن بيني وبينك البقرة بتحلّنا من المشكلة دي؟

أجابها:

- والله يا بتي بإذنه تعالى تحلّك!

ثم أضاف:

- أها با بت، البقولوه ليك تنفّذيهو بالحرف الواحد.!

سناء:

- قول يا أبوي، بعمل أي حاجة تأمر بيها.

سحب أبوها نفساً عميقاً ثم قال:

- أمِسْكِي البقرة دي من قريناتها، ودخلّيها القطيّة، وخليها معاكم جوّة أسبوع تمام، وبعد الأسبوع ينتهي، تعالي لي نشوف البحصل شنو بعدّاك!

(3)

خرجت منه سناء وهي تتكلمّ مع نفسها بـ حِيرة:

- أدخّل البقرة جوة القطيّة، والله ده كلام عجيب، هي القطيّة أنا والأولاد ما شايلانا، يا ربّي بتشيل ليها بقرة، غايتو نجرّب، وبعد داك نشوف، إن شاء الله تهون.!

نفّذت سناء كلام والدها بالحرف الواحد، أدخلت البقرة داخل القطيّة، وفي هذا الأسبوع، عانت معاناة لوّزعت على عشرة قرى لكفّتهم مع الزيادة، تحمّلت هي وأولادها مزاحمة البقرة، ورائحتها، ومخلّفاتها، ورفضت أن تخرجها بتاتاً، حتى انقضى الأسبوع، وكان أطول أسبوع لها منذ أن وُلدت، تركت البقرة داخل القطّية، وذهبت لوالدها لترى نهاية الأمر.

قال لها:

- الظاهر يا بنيتي البقرة ضايقتك شديد .. ما كدي؟

قالت له والدموع تلمع في عينيها:

- والله يا أبوي .. مرّيت بأسبوع شين وتعيس، إلاّ صبرت لمن الأسبوع انتهي.!

ثم أضافت وسط نحيبها:

- أها يا أبوي .. باقي أسبوع واحد والراجل يرجع، وريني أعمل شنو؟

عبث الرجل بلحيته كما فعل سابقاً ثم قال:

- يا بتي .. عندكم بقرة تانية؟

هذه المرّة جحظت عينا الفتاة بدهشة أكبر:

- لا .. لا يا أبوي ما عندنا، لكن البقرة التانية لي شنو؟

- يا بتي ما تسألي كتير .. سوقي بقرتي الـ في طرف الحوش ديك، ودخلّيها مع بقرتكم في القطيّة!

- شنو؟؟!!

قالتها سناء بصيحة عالية، ثم أضافت:

- دحين ما بالغت يا أبوي .. كيفن أدخّل بقرة تانية، هي الأولى كرّهتني العيشة، وأولادي قرّبوا يطفشوا من البيت، كمان أجيب ليهم بقرة تانية، يا أبوي ما تشوف لي حل تاني أسهل شوّية؟

نهرها أبوها بصوت صارم:

- يا بت سوقي البقرة دي من هنا ودخّليها مع البقرة التانية في القطيّة وتعالي لي بعد تلاتة أيام، وما داير أسمع منك كلام كتير.!

(4)

شعرت سناء أن مصائب العالم كلّه تمّ صبها لها في رأسها، أدخلت البقرة الثانية بعد معاناة صعيبة، وأحسّت بأن العالم كلّه صار يزاحمها في هذه القطية الصغيرة، التي بأعجوبة ومعجزة صارت تضّم بقرتين من الحجم السمين مع أسرة صغيرة.!

انقضت الثلاثة أيام وكأنها عشر أعوام، ثّم ذهبت لوالدها، الذي رأى الكآبة تعلو وجهها، ثم قال لها بلا مبالاة:

- الظاهر البقيرات ضايقنّك يا بنيتي.. ما كدي؟

لم تجب سناء، إلاّ أنها انفجرت في بكاء مرير، ربّت على رأسها بحنيّة ثم قال لها:

- أمشي من دربك ده يا بتّي وطلّعي بقرتي من قطيتك وجيبيها لي، إلاّ خلّي البقرة التانية جوة.. ما تطلّعيها؟

كادت سناء تطير من الفرحة، أخيراً ستتخلص من بقرة، أخرجت البقرة بسرعة مذهلة، وأحضرتها له وعلا وجهها بعض الارتياح هذه المرّة.

سألها أبوها:

- بعد طلّعتي البقرة .. دحين ما ارتحت شوية.!

تنهّدت بارتياح وقالت:

- والله ارتحت كتير .. كانت مضّيقة عليّ الدنيا؟

ثم أضافت في لهفة:

- أها يا أبوي أمشي أطلّع التانية؟

ضحك أبوها، ثم عبث بلحيته كما يفعل كلّ مرة ثم قال:

- خلّيها معاك تلاتة أيام كمان، وبعد ما يكملن طلّعيها وتعالي لي.

خرجت منه سناء بإحباط، ولكن خفيف هذه المرّة، قالت لنفسها إنها مجرّد بقرة واحدة لثلاثة أيام فقط، ليست بالمشكلة الكبيرة، فهي تحمّلت بقرتين دعك من واحدة.!

(5)

مرّت الثلاثة أيام سريعاً هذه المرّة، أخرجت سناء البقرة، نظّفت القطية، وأطلقت فيها البخور، ثم ذهبت لـ أبيها وهي تضحك في سعادة.

قال لها:

- الظاهر ارتحتِ شديد يا بنيتي بعد ما طلّعتي البقرتين؟

تنهدّت في ارتياح ثم قال:

- أي والله يا أبوي .. ارتحت شديد والله.

- دحين با بنيتي القطيّة شالت البقرتين وللا ما شالتن؟

- شالتن يا أبوي إلاّ بي صعوبة.

عبث الرجل بلحيته التي صارت له عادة على ما يبدو ثم قال:

- والله يا بِنَيتي، القطية الـ بتشيل بقرتين بي صعوبة .. بتشيل ليها نفرين بي سهولة.!

عندما تأتي سيرة النعاج.. حكاية اختفاء نعجة!!

(1)

راعي البهائم دوماً مرتاح البال، وبالذات راعي الضأن، هذا بالذات لا يهتم بما يدور من مصائب في أنحاء العالم، لا يهمّه إن اتسع ثقب الأوزون أو ضاق قليلاً، إن أفلست أمريكا أو أرتفع سعر الموز، ولا شغل له سوى أن (الغنم اتعشّت).. (الغنم اتغدت) .. (الغنم شربت الموية).. ونصف الاهتمام بـ غنماية واحدة لو وجده أحد أطفاله لـ صار خبيراً في (الاندماج النووي)، وذو شأن في اليورانيوم الثقيل.!

من مميزات الراعي أنه لا يمكن أن ينسى ملامح بهائمه ولو لسنين عددا، والواحد منهم إذا كان لديه قطيع من الضأن به خمسمائة (ضاناية)، تجده حافظاً أشكالها وملامح كل واحدة على حده، وعلى الرغم من أن الضأن يتشابه فيما بينه كـ البطيخ، إلا أن صاحبها يصل معها مرحلة أن يطلق اسم منفرد لكل (غنماية) أو تيس أو بقرة، أو كل ما يمشي على أربع، ويمكن أن يكون اسم الغنماية (حمورة) أو (صفورة)، (زرقا)، (غبيشة) أو (كحيلة)، وإذا كانت هنالك بقرة اسمها (حمرة) – على سبيل المثال - فإذا ناداها صاحبها من وسط مائة من مثيلاتها، تجدها أتت مهرولة ملبية فروض الولاء والطاعة، وتقف بين يديه وتهزّ أذنيها بكل حماس، وذات الأمر ينطبق بالنص على الخراف والماعز وما شابهها من دواب.!

(2)

يُحكى أنه في قرية ما اختفت إحدى النعاج من راعٍ كان يعيش معه أخاه الضرير في قُطْيّة واحدة، وهذه النعجة بالذات كانت عزيزة عليه، ويفضّلها على بقية النعاج، وهي نعجة -حسب وصفه- تبدو عليها الوسامة، ولها عينان نجلاوان لا يفوتك ما بهما من ذكاء وحنكة، إنها نعجة تتمتع بـ جمال الطلعة والصوت الساحر، وربما بعض اللباقة، إذا رأيتها أنت –عزيزي القارئ- قد تقرر أنها أجمل من أي دستة مشابك غسيل مرت عليك، لكن صاحبها يراها هكذا، فـ النعجة في عين صاحبها غزال كما تعلمون.!

المهم .. أنهم بحثوا عنها في جميع أنحاء القرية، وداروا في كل الأباطح والوديان القصيّة، سألوا عنها جميع الرعاة المعروفين وأعطوهم أوصافها بكل دقة، ولكن لم يتبيّن لها أثر، فحزن عليها الرجل حزناً عميقاً، وكاد أن يقيم لها سرادق عزاء، فـ إختفاء نعجة من أي راع ليس بـ الأمر الهين على كل حال، ويعتبر من نوائب الدهر عنده، على الرغم من أن لدى صاحبنا أكثر من مائتي رأس من الضان، ما بين أقرن وأملح، أغبش وأملس، إلاّ أن اختفاء واحدة لهو أمرٌ جلل.!

مرت عليه الأيام والشهور التي خففت من حزنه قليلاً، وأنسته هذه المأساة، ولكنه كان يذكر مآثر النعجة المفقودة بالحسرة والأسى كلما أتت مناسبة استدعى فيها ذكر النعاج.!

(3)

بعد سنة ونصف.. ذهب الرجل وأخاه الأعمى لسوق المدينة المجاورة لشراء بعض اللوازم، وهذا السوق يعتبر مركزاً لتجمع الكثير من القرى، فكل قرية تأتي بما لديها من بهائم وذرة وغيره، رأى صاحب النعجة المفقودة تجمعاً من الخراف والنعاج على جانب من السوق، وكان به حوالي ثلاثمائة رأس، وقف عنده وقفةً لم تدم ثوان، ثم هتف بأخيه العميان بحبور ودهشة:

- اللمين!!.. الوجع الـ.. نعجتنا الما بتغباني ذاتها في وسط الكوم ده!!

ثم أمسك بيد أخيه وإتجها رأساً إلى صاحب الضأن، ودخلا له في الموضوع مباشرة بأن هذه النعجة تخصهم!! .. وأشار إلى واحدة كانت تجتّر بهدوء، نظر إليهم الرجل بدهشة، وسألهم عن قصة هذه النعجة، سردا له الحكاية بكامل تفاصيلها، بدءاً من اختفاءها في ظروف غامضة منذ سنة ونصف، وإنتهاءاً إلى أنهم لم يفقدوا العشم في إيجادها، طال الزمن أو قصر، إستمع لهم صاحب الضأن بذهول، وأضاف بأن هذه النعجة بالذات انضمت الي القطيع بالخطأ في ذات التوقيت الذي ذكروه، بعدها أبدى أصحابنا الرغبة في إقتياد نعجتهم الأثيرة معهم، ولكن هيهات.. الأمر ليس بهذه السهولة، فليس كل من هب ودب له أن يأتي ويشير الي نعجة ما بأنها ملكه وإختفت منذ عام ونصف ثم يأخذها ويذهب، كان هذا رأى صاحب النعاج، إنه صدّق قصتهم نعم، ولكنه يحتاج إلي دليل مادي وملموس، ما الذي يمنع أن هذه قصة ملفقة صادفت الواقع؟ وبما أن النعاج والضان عموماً لا تملك (بطاقات نعجية)، ولا تستخرج لها شهادات ميلاد، فلابد لهذا الدليل أن يكون مبتكراً ولا يخطر على بال.!

إلتفت صاحب النعجة الي أخيه الأعمي وشرح له أن نعجتهم المختفية من أمد بعيد ضمن هذا القطيع، وأنه الأمل الوحيد في رجوعها إلى الديار معزّزة مكرّمة، واقترح عليه أن يدخل وسط النعاج ويخرجها!!

لم يكذب الأعمى خبراً فدخل وسط البهائم، وأخذ يلمسهنّ نعجة نعجة، وأخيه وصاحب القطيع التزموا الصمت المبين في انتظار ما سيحدث، وما إن لمس الأعمى نعجتهم المنشودة، وتحسس أذنيها وحيزومها، حتى هتف بأخيه بأنها هي بعينها، فأمسكها وجرجرها للخارج وهي تحمحم باحتجاج، وهنا أسقط صاحب النعاج في يده، واقتنع بأن هذا دليل ملموس، ولم يملك إلا أن يقول :

- النعجة مبروكة عليكم!!

حكاية الورقة التي أضحكت وأبكت

(1)

من المؤكد أنك قد (تشحتفتَ) ذات مرة، لأن كل امرئٍ وإن طالتْ سلامته، لابد وأن يكون قد أصيب بـ (الشحتافة) يوم ما، ومن المؤكد أيضاً أن الأشياء التي (تُشحتف) أكثر من التي لا (تُشحتف)، ومن أعراض (الشحتافة) أن تضيق عليك الأرض بما رحُبت، وأن ترى هذه الدنيا أضيق ثقب إبرة، وتشعر بأنك ليس أنت، وأنك تريد أن تفعل شيئاً لا تعرف ما هو!

ولا شك أن لـ (الشحتفة) أسباب مثلها ومثل أي شيء، منها (السخانة)، وتتفاغم الحالة إذا كان مع (السخانة) انقطاع في الإمداد الكهربائي، وإذا اتّحد عليك الفلس والسخانة وانقطاع الكهرباء، يكون هذا ابتلاء من المولى عزّ وجلّ وعليك احتماله.!

(3)

بحثتُ كثيراً لأجد تعريفاً لـ (الشحتفة)، ولكن لم أوفّق في هذه المهمة السامية أبداً، والعلماء النفسيين ابتداءاً من (فلاديمير بيختيريف) وحتى (الكساندر سوثرلند نيل) – أسماء العلماء دي ما تركّز فيها كتير- كلهم عرّفوا أي مرض نفسي، ولكنهم لم يتطرّقوا إلى (الشحتافة)، وبالذات تلك التي تصحبها (خمّة نفس)، قد يكون لها اسم علمي، أو قد تجدها نوع من أنواع القلق، ولكن سأجتهد وأقطع لها تعريفاً من رأسي، لأنني لم أجد لها شرحاً في (القاموس المحيط)، ولا في( لسان العرب)، وحتى في (نجعة الرائد) و(تاج العروس) لا أثر لها، وهذا مبرراً كافياً للاجتهاد، إذن فـ (الشحتافة) لغة واصطلاحاً هي عبارة عن:

- (آكولة في الروح)!!

نعم .. أعتقد أن هذا هو أقرب تعريف لها، أرأيت هذه العبقرية، لا تسألني كيف يصاب المرء بـ (آكولة في الروح)، فـ هنالك من الأشياء ما لا يمكن شرحه بـ الكلمات.!

ولكن سأقرب لك الأمر أكثر، سأحكي لك قصة غريبة بعض الشيء، وأعتقد أن بها قدراً لا بأس به من (الشحتفة)، يمكنك أن تقرأها وتحكم بنفسك.!

(2)

يقال أنه في إحدى البلدان كان هنالك شخص يعيش مع والده العجوز، لكن أباه مرض مرضاً شديدا. وهو يحتضر أعطى ابنه رسالة وأمره ألاّ يفتحها إلاّ بعد أن يموت، وأمَره حتى بعد موته ممنوع أن يقرأ الرسالة بنفسه، وإن أراد فـ ليعطها لـ آخر ليقرأها له. مرت الأيام ومات الأب، احترم الابن وصية والده لم يفتح الرسالة، وذهب بها لـ أحد أصدقائه وطلب منه أن يفتح الرسالة ويقرأها عليه، فتح الصديق الرسالة، بحلق فيها مليّاً وقال له:

- إنت متأكد أبوك هو الـ كتب الرسالة دي بي نفسو؟

- نعم .. متأكد!

يُقال أن صديقه طبّق الرسالة وأرجعها له وهو ينتحب ويبكي بكاءً مريراً، تتقطّع له نياط القلوب، وتلين له صخور الجبال.!

سأله الابن عمّا يبكيه، ولكن صديقه لم يزداد إلاّ بكاءاً.!

لم ييأس الابن، ذهب لشخص آخر وطلب منه أن يقرأ له الرسالة، يقال أن هذا الشخص بعد أن قرأ أول سطر من الرسالة، أنفجر في نوبة ضحكٍ هستيري مُحيّر، وهو من بين ضحكاته يسأل بين الفينة والأخرى:

- يا زول إنتَ متأكد أبوك هو الـ كتب الرسالة دي؟

- نعم متأكد!

ثم ينفجر بـ الضحك مرّة أخرى، ويقال أنه واصل على هذا المنوال، وصار يقف في منتصف شارع الزلط، ويضحك لوحده بسبب وبلا سبب.!

احتار الابن في فحوى هذه الرسالة التي أبكت وأضحكت، ولكنه احترم وصية والده ولم يفتحها بتاتاً، وذهب بها إلى شخص يتوخى فيه الحكمة ورجاحة العقل، وحكى له أمر الرسالة، ذلك الرجل قال له بثقة:

- أديني الرسالة دي بجيب ليك خبرها هسّع دي!

فتح الرجل الرسالة، بحلق فيها بدهشة وذهول وهو يقول لـ الإبن:

- إنت متأكد تماماً الرسالة دي كتبها أبوك؟

- نعم .. أيوة .. متأكد.. فيها شنو؟

أرجع له الرسالة، وقام بحركة غريبة، خلع سفنجته وأعطاها لـ الابن وقال له:

- أمسك السفنجات دي .. وحافظ عليها كويس.. سَمِح؟

ثم أطلق الرجل ساقيه للريح بـ اتجاه الشمال الغربي، ولم يعدْ حتى الآن.!

هذه المرة اتخذ الابن قراره، سيفتح الرسالة بنفسه، وليحدث ما يحدث، ولكنه قبل أن يفتحها مرّت أمامه امرأة ذات منصب وجمال، فحدثته نفسه أن يجرّب النساء هذه المرّة، بعد أن قنع من كل خير في الرّجال، أعطي الرسالة للمرأة وطلب منها أن تقرأها له، وبعناية فتحت المرأة الورقة المطبّقة، قرأت أول كلمتين منها، ثم رفعت يدها عالياً، وخبطت الابن في خده صفعةٌ لها دوي، حتى إحْمرّ خده، وجحظت عيناه، وصنّت أذنيه، وصرخت فيه بغضب فظيع:

- يا حيوان .. يا حقير .. يا سافل.!

ولم تقف المرأة عند هذا الحد، فـ إذا بها مزّقت الورقة إلى قطع صغيرة، ثمّ نثرتها باتجاه الريح التي بعثرتها في كل مكان.!

يُقال أن هنالك اثنان لم يعرفوا فحوى هذه الرسالة أبداً، الابن .. وأنت.!

الخميس، 7 يناير 2010

مدينة الخرطوم الفاضلة

(1)

بعد نيفٍ من الزمان ( والله يا جماعة ما معروف متين)، ستكون عاصمتنا الخرطوم مدينة فاضلة، وسكانها سيصبحون أناسٌ فضلاء، فـ في ذلك الزمان ستكون المتاجر مُشرعة الأبواب بلا تجار يبايعون، فقط تأتي وتشتري وتضع نقودك وتذهب، تحاسب نفسك بنفسك، فـ الثقة متوفرة، وكل الناس حسابهم ضمائرهم، سينعدم اللصوص والنشالون، محلات الذهب ستكون بلا أبواب ولا يحرسها أحد، تجد الناس في الشوارع جميعهم مبتسمون يلقون السلام، ويردون التحية بأحسن منها، لن تكون في البلاد مراكزاً للشرطة، ولا دوريات ولا كبسولات لبسط الأمن الشامل، لأنه لا حاجة لها، فـ الأمن مُوقرٌ في صدور الجميع، المواطنون كلهم شرفاء وضمائرهم بيضاء ونظيفة، كل فرد صادق مع نفسه والآخرين، إذا ارتكب سائق ما مخالفة مرورية، وهذا لا يحدث بتاتاً، ولكن إذا قدّر الله وحدث، سيذهب لـ وحده إلي مركز شرطة المرور، ويخبرهم بأنه يريد أن يسدد الإيصال الذي قطعه لنفسه، وقد يقولون له:

- تعال بعدين يا أخينا هسي ما فاضين ليك!

(2)

لن تكون هنالك محاكم ولا قضاة ولا محامون، لأنه لا توجد جرائم، ولا يوجد مجرمون، فـ إذا وجد مواطن ما رزمة بها مليار جنيه (بالجديد) ملقاة على قارعة الطريق لن يمد يده إليها، سيتخطاها حتى يأتي صاحبها لأخذها، وقد يكون هذا المليار في مكانه شهراً كاملاً لن يلمسه أحداً، وفي الشهر الثاني سيسلمه أحد المواطنين للشرطة، التي ستنشر بياناً بأنه وُجد مليار جنيه ملقياً على الطريق، وكل أوراقه من فئة المائة جنيه، على صاحبه أن يذهب ويستلمه من أي بنك!

في الخرطوم الفاضلة إذا دخلتَ مصلحة حكومية لتقضى لك أمراً ما، سيستقبلك الموظف بابتسامة عريضة، ووجه هاش، ويُسلم عليك سلام معرفة، ويسألك من الأهل وصحة الوالد، ويقدم لك مشروبا باردا، ثم يُجلسك على كرسي وثير، ثم يسألك بهدوء:

- أي خدمة يا أستاذ؟

قد تقول له أنك ترغب في استخراج ميراث جدك الخامس عشر .. سيرد عليك قائلاً باندهاش:

- يا سبحان الله !! .. ما كان تتعب نفسك وتجي لي موضوع بسيط زي ده .. كان تتصل بس، علي بالطلاق نجيبو ليك في البيت!

وبعد أن تنهي إجراءاتك، وتستلم إرثك من المرحوم، يقوم الموظف بتقديمك للخارج ويودعك بمودة ويطلب منك ألا تقطع زياراتك الميمونة عليه.!

(3)

بسبب الطيبة المبالغ فيها ستكون هنالك مشكلة في المواصلات، لأن المواطنين أصبحوا طيبون طيبة مبالغة، وكل منهم يريد أن يدفع قيمة التذكرة لكل الركاب، وقد تجد (أحدهم) واقفاً بالباب، وما إن تضع رجلك على سلم الحافلة حتى يحلف عليك هذا (الأحدهم) قائلاً :

- أسمع يا زول هووي .. كان داير تركب معانا هنا ده حرّرّم ما تدفع .. وللا شوف ليك حافلة تانية!

أما الكمساري الذي كان مشهوراً بـ لؤمه، إذا أراد أحد الطلاب أن يدفع القيمة كاملة، يقسم عليه بالطلاق المثلث أن يدفع رُبع القيمة فقط لأنه طالب مسكين ومفلس، وقد يدفع له من جيبه إذا رأى فيه قلة الحيلة ورقة الحال.!

في خطوط المواصلات القصيرة، السوق العربي – الصحافة، العربي – أم درمان، الشهداء – الشنقيطي، سيتفق جميع الكماسرة على رأي، وهو لابد أن يكرموا الرُكاب بـ كبابي الموية الباردة والعصائر ومديدة الدخن.!

(4)

قد تجد أحد المحسنين يحمل في يده رزمة من النقود، أو دفتر شيكات مُوقع على بياض، ويستوقفك في منتصف السوق ويسألك:

- عليك الله يا ولدي ما عارف ليك زول محتاج نديهو مليونين تلاتة يسند بيها حالو؟

سترد أنت قائلاً :

- أبداً والله ما عارف.!

ويستجديك قائلاً :

- طيب ما تشيلو إنت .. إمكن تكون محتاج لي مصاريف وكده!

سترد عليه بكل عزة نفس :

- معليش يا استاذ أنا ما بقدر استلمو منك .. احتمال يكون في واحد محتاج ليهو أكتر مني!.

أما إذا أردت أن تشتري سيارة مستعملة من الدلالة سيقول لك السمسار بكل وضوح:

- بصراحة يا أخينا العربية دي مشكلتا بس دايرة مكنة .. وشاسيه .. وصندوق .. وكراسي وتركب بيها الزلط.!

في الخرطوم الفاضلة بائع اللبن لا يزيد لبنه بالماء، بل يرمي فيه بعض حبات الزبيب، ومع كل رطل لبن تشتريه سيزيدك ثلاثة أرطال من عنده.!

في الحلة قد تجد زحمة ناس يتناقشون وعندما تسأل أحدهم عن الحاصل يجيبك:

- تصور حاج الفاضل ده عفص ليهو نملة كتلها!!

وقبل أن تندهش يقول لك آخر بحدة:

- تخيل يا ابن العم بقت تظهر في مجتمعنا جرائم زي دي .. بعد ده ما تستبعد واحد تاني يكتل ليهو بعوضة عديل!



وهذه هي حكاية (أحلام زلوط ) ..!!

(1)

اليوم سنتعرف على (زلوط)..!! نعم (زلوط) شخصياً، الكل يعرفه ويضرب به الأمثال في كل ما يتعلق بـ المستحيل، أنا وأنت والجميع سمع بـ (أحلام زلوط)، ولا أحد يعرفه ولا يعرف بـ ماذا حلم بـ الضبط، ولكن .. اليوم أعتبر نفسك قد تعرفت على المدعو (زلوط)، اسمه الحقيقي (هشام)، فـ هو شاب تخرج منذ خمس سنوات قضاها في رحلة البحث عن العمل ولُقّبَ بـ (زلوط) إثر (زلطة) على جبهته، وهي جُرح أصيب به عندما كان صغيراً. المهم أن (زلوط) كان يقضي النهار في البحث عن وظيفة، ويعود عصراً ليجلس تحت ظل شجرة أمام منزلهم مع أصحابه، وهم في جلساتهم يتحاورون حول الحائل المائل وانتشار العطالة والبطالة بينهم.!

(2)

ذلك اليوم .. كان هو اليوم الذي سار به المثل المشهور (أحلام زلوط)، عندما عاد (زلوط) من رحلة طويلة قضاها في البحث عن عمل، لم يترك باب شركة إلا وطرقه، رمى أوراقه بـ المنزل وخرج لـ الشجرة لينفث عن زهجه بـ الدردشة مع أصحابه، حياهم وجلس بينهم وقال:

- يعنى هسع العلماء ديل .. اخترعوا الطيارة .. والغواصة .. والأقمار الصناعية .. وما قادرين يخترعوا حاجة تنهي العطالة دي؟!!

ضحك صاحبه (محمد) وقال:

- الظاهر دي الحاجة الوحيدة الغلبتم .. لكن رايكم شنو .. تعالوا نفكر لينا في اختراع يقضي على العطالة نهائياً؟!

أجابه (عمر) بـ إحباط:

- مافي .. العطالة دي المشكلة الوحيدة الما عندها حل جذري!!

تدخل (زلوط):

- أنا عندي فكرة اختراع ممكن يقضي على العطالة نهائياً.!!

التفت إليه الجميع، ثم هتف به (محمد):

- شنو؟ .. كدي ورينا اختراعك ده .. يمكن .. يعني والله اعلم .. تحل لينا مشكلة العطالة دي؟!

حمحم (زلوط) ثم قال:

- طبعاً إنتو عارفين إنو نحنا كـ مواطنين مشهورين بالنقة الكتيرة ؟!!

قاطعه (عمر):

- وده علاقتو شنو بالعطالة؟

زلوط: ياخي أصبر نتم ليك ..

ثم أضاف:

- يعني يا جماعة النقة دي ممكن نستفيد منها في حل مشكلة العطالة..!

قاطعه (عمر) مرة أخرى:

- لا .. لا إنتا الظاهر الليلة شارب ليك حاجة!؟

صرخ فيه (زلوط) بـ غضب:

- ما تقاطعني … أصبر أكمل كلامي!!

- خلاص واصل .. نشوف النقة دي حـ تحل مشكلة العطالة كيف؟!

جر (زلوط) نفسه بعمق ثم واصل:

- يا جماعة افترضو مثلاً إنو في شركة اخترعت جهاز يحول (النقة) إلى (كهرباء) .. يعني واحد نقناق زي عمر ده ممكن يولد زي عشرة كيلو واط في دقيقتين .. وفي خمسة ساعات ممكن يولد كهرباء تشغل مصنع نسيج ليوم كامل .. ويطلع مصاريفو بي ارتياح .. أها رايكم شنو في الاختراع ده؟!!

صمت الجميع برهة وهم ينظرون إلى (زلوط) في دهشة وارتياب، وكسر (عمر) حاجز الصمت:

- والله إنتا الليلة ما براك؟!!

قاطعه (زلوط):

- والشركة دي ممكن تعين ملايين الخريجين .. وتخت قدام أي واحد مكرفون بس .. وتخليهم ينقنقوا ويولدوا كهرباء ..وكمان دي مهنة ما دايرة أي مؤهلات .. وكل ما الواحد كان صوتو غليد .. وحلقو مانع .. حـ يكسب أكتر..!!

ضحك (خالد) وقد استهوته الفكرة:

- زاتو نرتاح من الجمرة الخبيثة دي .. يعني لو في الأسرة واحد نقناق ممكن يشغل التلفزيون والثلاجة.. وممكن يكوي بي مكوة الكهرباء .. وزول يسألو مافي .. دي كهرباء جابها بي نقتو.. والله فكرتك سمحة..!!

ثم نحو (زلوط) وقال له:

- لكن يا زلوط .. جهازك ده لازم يكون عندو اسم ؟!

أجابه:

- ممكن نسميهو (جهاز النقناقونيتر)!!!

ثم تكلم (زلوط) بـ رصانة:

- وبعدين ممكن الشغلانة تتطور .. يعني ندمج النقناقونيتر مع التلفزيون مثلاً .. ويجي واحد صوتو غليد زيك كده يا عمر .. وينهر التلفزيون نهرة واحدة .. ويحضر السهرة بي مزاج!!

عمر: هوي .. يا ناس .. هووي .. والله بتبالغو عديل؟!!

خالد: وجهاز النقناقونيتر ده طبعاً ممكن الواحد يشيلو معاهو زي الموبايل .. وفي أوقات فراغك ممكن تنقنق فيهو تولد ليك كم كيلو واط كده بدل تكون قاعد ساي!!

ارتفع صوت (عمر) قائلاً:

- أها يا (زلوط) .. أعمدة الكهرباء دي يودوها وين بعد داك؟!

خلف (زلوط) رجله وقال بـ لامبالاة:

- والله ياخي .. ممكن يقلعوها كلها كده .. ويبطحوها في الواطة دي .. يعملوها شوارع زلط!

صاح فيه (عمر) بـ غيظ:

- طيب والسلوك؟!

- السلوك دي .. يعني .. ممكن يوزعوها على المواطنين .. يعملوها حبال غسيل وللا أي حاجة!

صفق (عمر) بيديه في تعجب وحيرة وقال:

- غايتو جنس أحلام وأوهام .. جهاز النقناقونيتر بتاعك ده حقو تسميهو (أحلام زلوط)!

صرخ فيه (زلوط):

- أها ممكن الجهاز يطور أكتر .. بدل ما يحول (الطاقة النِقيّة) يعني طاقة النقة يحولها إلى (طاقة حركية)!!

- ودي بعملوها كيف؟

- الواحد ممكن يفتح تنك العربة وينقنق فيهو ربع ساعة .. والنقة دي توصلو من العربي لـحدّي الحاج يوسف..!!

ثم أضاف (زلوط):

- يعني النقة بدل الجاز والبنزين ؟!

خالد: بعدين ممكن جهاز النقناقونيتر ده يساهم في انتشار الثقافة وزيادة الوعي العام في المجتمع!!

عمر: كيف؟

خالد: يعني الناس الـ بـ تشحن الجهاز بـ النقة .. ينقنقوا يقولوا شنو .. دقيقتين والواحد راسو بفضى .. لازم يقروا من كتاب .. وبي كده يثقف نفسو على الأقل.. وللا ما كدي؟!

نهض عمر قائلاً:

- أنا ماشي .. إنتو ناس خياليين ساي .. وبعدين جهازكم ده .. الشركة الصنعتو ممكن تشغل ليهو شريط أي فنان وتقلبو بـ الجنبتين .. وتولد الكهرباء .. لا خريجين نقناقين .. ولا يحزنون!!!.